يـونســــكـوبـرس

************************************************************

مكتب الخدمات الصحفية لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة

 

 

حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه ضد عبث صائدي الكنوز

 

 

باريس، 29 تشرين الأول/أكتوبر 2001- إن نهب السفن القديمة الغارقة وتحطيمها أو المواقع الأثرية المغمورة بالمياه، من قبل صائدي الكنوز، بحثا عن قطع ذهبية أو ما يشابهها من قطع نادرة، يمكن أن تعتبر مخالفة للقانون من اليوم فصاعدا، حسب الاتفاقية الدولية التي تناقشها حاليا المائة والثماني والثمانون دولة أعضاء في اليونسكو.

 

تم طرح الاتفاقية المتعلقة بحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه للاعتماد من قبل الدورة 31 للمؤتمر العام لليونسكو، وهو أعلى سلطة للقرار في المنظمة. وتهدف إلى منع النهب والاستخدام التجاري لإعطاء الأولوية إلى الحفاظ على التراث الثقافي الغارق، منذ مائة عام وما فوق، في موقعه.

 

"إنه لأمر في غاية الأهمية أن نحمي تراثنا المغمور بالمياه. وهو أمر يزداد إلحاحا مع الوقت لأنه لم يعد، اليوم، هناك أي موقع أو أي بقايا لسفينة غارقة في مأمن من عبث صائدي الكنوز. إن التكنولوجيات الجديدة أخذت تسهل الوصول إلى بقايا السفن الغارقة الموجودة في الأعماق السحيقة، وأسعار هذه التكنولوجيات آخذة بالهبوط"، تقول ليندل بروت، مديرة دائرة التراث الثقافي في اليونسكو.

 

وحسب التقديرات التي يتداولها العاملون في مجال البحث عن السفن الغارقة، هناك حوالى ثلاثة ملايين بقايا سفينة غارقة موزعة في أعماق المحيطات. و مذهل عدد السفن الغارقة المعروفة. سجلت قاعدة المعلومات في أميركا الشمالية وحدها أن السفن الغارقة من هذه المنطقة بلغ 65 ألف سفينة منذ مطلع القرن السادس عشر حتى اليوم. في قاموسه "الكوارث البحرية" الصادر سنة 1969، يعدد شارلز هوكينغ المراكب الشراعية والحربية التي غرقت بين 1824 وعام 1962، بـ 12،542 مركبا. وحسب المتحف الوطني للآثار في لشبونه (البرتغال)، هناك 850 مركبا ابتلعتها المياه في منطقة أسوريس بينها ما لا يقل عن 90 مركبا إسبانيا و40 برتغاليا كانت مبحرة على طريق الهند.

 

هناك أيضا مدن مغمورة، مثل المرفأ الملكي (جمايكا)، وهو مرفأ تجاري ومرتع للقراصنة اختفى تحت المياه إثر زلزال حصل عام 1692. كما هناك آثار الحضارات القديمة مثل منارة الإسكندرية، التي كانت إحدى عجائب الدنيا السبع، والقرى النيوليتية التي توارت تحت مياه البحر الأسود، والتي تعطي تفسيرا، حسب البعض، لقصة طوفان نوح الشهيرة.

 

ثروات الإرث الثقافي هذه مهددة اليوم تهديدا حقيقيا. فقد فتحت التكنولوجيا، من اليوم فصاعدا، أعماق البحار أمام صائدي الكنوز، الذين في حوزتهم إمكانات مادية هائلة. والأرباح التي يمكن تحقيقها من جراء ذلك مغرية جدا. فقد اكتشف الأميركي ميل فيشر عام 1985 بقايا سفينة "سينيورا دي أتوشا"، وهي سفينة إسبانية غرقت قرب فلوريدا عام 1622، وعليها حمولة من الذهب، والفضة والجواهر قدرت بأربعمائة مليون دولار. وأصبحت شركة "كريستيز"، إحدى أشهر الشركات العالمية في البيع بالمزاد العلني، المتخصصة العالمية ببيع ما أسمته "المواد المستخرجة شرعيا أو في حاجة إلى ترخيص، والتي تعود إلى بقايا سفن تاريخية".

 

حققت شركة "كريستيز" أرباحا بلغت 16 مليون دولار من بيع 3786 طقم من الفخار الصيني وسبائك الذهب التي تم الحصول عليها من بقايا "جلدرماهلسن"، وهي سفينة هولندية غرقت عام 1752 في بحر الصين الجنوبية. وسنة 1992 حقق بيع الفخار الصيني المعروف باسم شحنة فونغ تاو- الذي استخرج من سفينة غرقت في عرض الشاطئ الجنوبي لفيتنام ما يقارب 7،2 مليون دولار. وعام 1997 هناك ما لا يقل عن ست شركات دولية لصائدي الكنوز أقامت قواعدها في البرتغال من أجل استغلال التراث المذهل الذي تخبئه سواحل هذه البلاد.

 

حتى الغطاسون الهواة يمكنهم بواسطة ملابس الغطس الفردية المشاركة في البحث عن الكنوز في مياه الشواطئ قليلة العمق. وهناك الملايين من الذين يقومون بذلك. منذ العام 1974، أثبتت الدراسات أنه تم نهب كل السفن الغارقة المعروفة والقريبة من السواحل التركية.

 

في الفليبين، المحطة التاريخية الأخرى للأسبان، ومنذ أكثر من ألف عام كانت معلما هاما للتجارة البحرية مع جنوب شرق آسيا، تعمل الشركات الأجنبية حاليا على تشغيل الصيادين المحليين للبحث عن الكنوز في البقايا الكثيرة للسفن الغارقة التي تفترش أعماق البحار.

 

إن هذا "السباق الجديد على الذهب" سيؤدي إلى تدمير شرائح كاملة من تاريخ الإنسانية .

 

"الذي يقود خطى صيد الكنوز هو الربح وليس تعزيز معرفتنا للتاريخ"، يشرح منير بوشناقي مساعد مدير عام اليونسكو للثقافة. "إن الوقت باهظ الثمن. لذلك يعمل صائدو الكنوز بسرعة ليخرجوا بفترة وجيزة أكبر كمية من الأشياء ليعرضوها للبيع. بينما المنقب عن الآثار يمكنه أن يمضي عشرات السنوات أو أكثر في دراسة وتنقيب سفينة، وهو يحافظ على مكتشفاته وناشرا ما توصل إليه من معلومات. وبذلك نحظى بكمية كبيرة من المعلومات والمعارف. أما مع صائدي الكنوز فإن هذه الأمور كلها تذهب هباء؛ لا يتم تسجيل المقتنيات بل تتوزع في مختلف أنحاء العالم ضمن المجموعات الخاصة للأفراد. إنه أمر مأسوي بالنسبة إلى الإنسانية بكاملها، حيث تعدم المعرفة تعدم الذاكرة".

 

عندما يتم التنقيب في موقع ما حسب الأصول فإن الفائدة تكون للجميع. هكذا أتاحت، مثلا، الدراسة الأثرية لسفينة "باندورا"، التي غرقت في عرض سواحل كوينسلاند في أستراليا عام 1791، فهما افضل لقصة التمرد على متن سفينة "بونتي" والملاحقة الخارقة للمتمردين.

 

إن بقايا سفينة حربية في السويد تعود إلى القرن السابع عشر، "وازا"، أصبحت مزارا كبيرا للسياح من كل أنحاء العالم. ومواقع التنقيب الأثري تحت المياه في بوضروم، في تركيا، هي المواقع الأكثر إقبالا للسياح في البلاد.

 

في المقابل، فإن الحصول على فخاريات "جلدرماهلسن" أدى إلى تدمير بقايا هذه السفينة وما كانت الستة عشر مليون دولار التي حققها بيع محتوياتها سوى ربح سريع لا مستقبل له.

 

باتت الدول أكثر وعيا عما قبل بأهمية تراثها المغمور بالمياه وكثيرة هي الدول التي اعتمدت تدابير لإدارة وحماية بقايا السفن التاريخية الغارقة والمواقع الأثرية في مياهها الإقليمية. ولكن ليس هناك غطاء قانوني شامل لبقايا السفن، مثل بقايا "تيتانيك"، الموجودة في المياه الدولية، والتي بكل بساطة تقع تحت رحمة المنقبين.

 

يهدف ميثاق اليونسكو الجديد حول التراث الثقافي المغمور بالمياه إلى تغيير هذا الوضع. حوالى 350 خبيرا من أكثر من 90 بلدا عملوا خلال أربع سنوات من أجل وضع اللمسات الأخيرة لمشروع الاتفاقية التي تشمل "كل آثار الوجود الإنساني التي تتسم بطابع ثقافي أو تاريخي أو أثري، الغارقة جزئيا أو كليا، بشكل موسمي أو دائم، منذ مائة عام على الأقل".

 

وعلى البلدان التي تعتمد هذه الاتفاقية أن تعتمد تدابير تقيد من أنشطة صائدي الكنوز كما عليها أن تفرض عقوبات على أية مخالفة. وعلى هذه العقوبات ن تكون "قاسية بما فيه الكفاية من أجل ضمان احترام (...) الاتفاقية".

 

وتلحظ الاتفاقية أيضا أنه على "الدول الأطراف أن تتخذ التدابير لمنع دخول قطع التراث الثقافي المغمور بالمياه المصدرة و/أو المستخرجة بشكل غير مشروع إلى إقليمها أو الاتجار بها وحيازتها" وتعطي الدول الأطراف الحق بمصادرتها.

 

وأحد التدابير الأكثر نقاشا في الاتفاقية يدعو إلى صون التراث المغمور في موقعه الأصلي. وفي حال استخراج بعض القطع فيجب أن توضع في "مخزن بحيث تحرس وتدار لضمان الحفاظ عليها لوقت طويل".

 

أما الانتقادات الموجهة من قبل صائدي الكنوز فإنها تتركز على أن هذا الأمر ليس من شأنه إلى أن يحرم الجمهور الواسع من تراثه كما أنه يؤدي إلى دمار هذا التراث بعوامل الطبيعة والوقت. غير أن هذا الأمر يراه روبير غرونيه، رئيس لجنة التراث المغمور في المجلس الدولي للمعالم والمواقع الأثرية، الذي يعمل بشكل وثيق مع اليونسكو على مشروع الاتفاقية، غير صحيح إطلاقا ويقول : "لقد تبين بالبرهان أن آثار السفن الغارقة يمكن أن تبقى آلاف السنين مغمورة بالمياه مثل أي موقع أثري جيد. وحين تتعرض بقايا السفينة إلى أضرار طبيعية هامة، كما لاحظت شخصيا ذلك، فإن الأضرار تتم في القرن الأول للغرق. بعد مرور هذه الحقبة الأولى يتوقف التدهور أو يتباطأ حتى يصل الموقع إلى توازن ويستقر لقرون".

 

وتطلب الاتفاقية أيضا من الدول أن تقوم بتعزيز تراثها المغمور وتشجع "وصول الجمهور بشكل مدروس ومسؤول" إلى هذه المواقع. كما تشير أيضا إلى ضرورة توعية الجمهور على أهمية ومعنى هذا التراث.

 

بعدما يتم تبني الاتفاقية من قبل مؤتمر عام اليونسكو ستعرض الاتفاقية على الدول الأعضاء لإبرامها. وتصبح سارية المفعول بعدما تبرم من قبل 20 بلدا.

 

****