الملحق 7

مسح يوناني - مصري للآثار المغمورة بالمياه قرب الاسكندرية
بقلم هاري تزالاس

أُجري المسح في الفترة 1998-2000 من قبل المعهد الهيليني لصون التراث البحري والمعهد الهيليني لدراسات الاسكندرية في العصور القديمة والعصور الوسطى (تقرير أولي)

مقدمة

تلقيت دعوة، بصفتي رئيس المعهد الهيليني لصون التراث البحري، للمشاركة في الندوة الدولية للآثار المغمورة وإدارة البيئة الساحلية (SARCOM 97) وتقديم دراسة موضوعها «ميناءا الاسكندرية» (تزالاس، 2000). وأثناء المؤتمر أتيحت لي فرصة الوقوف مباشرة على مدى التقدم المحرز في أعمال مسح الآثار المغمورة بالمياه الذي قام به في الاسكندرية مركز الدراسات السكندرية تحت قيادة الأستاذ جان إيف أومبرور، وكذلك بعثات أجنبية أخرى. وأفضت الاتصالات بالسلطات المصرية المسؤولة عن الآثار إلى دعوة المعهد رسميا إلى تقديم طلب للحصول على رخصة للقيام بمسح تحت الماء في المنطقة الساحلية للإسكندرية.

وبعد طول تفكير وتخطيط متأن، رئي من الضروري تكوين معهد يوناني لبحث ودراسة تاريخ وطوبوغرافيا الاسكندرية في العصور القديمة والوسطى. وقمنا بالاشتراك مع المعهد الهيليني لصون التراث البحري (المتمتع بخبرة سابقة في مجال الآثار المغمورة بالمياه)، بتقديم طلب إلى المجلس الأعلى للآثار في مصر للحصول على رخصة لمسح المنطقة المغمورة الممتدة من رأس لوخياس القديم (السلسلة) إلى لسان المنتزه (الموقع المحتمل لبلدة تابوريزيس الصغرى القديمة). وتم منح الرخصة وبدأ العمل في مايو/أيار 1998 كمبادرة تعاونية بين البعثة اليونانية وإدارة الآثار المغمورة في مصر. وتلت ذلك ست حملات إضافية في يونيو/حزيران 1998، وأكتوبر/تشرين الأول 1999، ومايو/أيار 2000، ونوفمبر/تشرين الثاني 2000، ومايو/أيار - يونيو/حزيران 2001، نوفمبر/تشرين الثاني 2001.

واستغرقت كل حملة أربعة أيام؛ واشترك في العمل ما بين 15 و 20 من العلميّين الغواصين (من أثريين ومؤرخين ومعماريين، وجيولوجيين بحريين، ومساحين، ومصورين فوتوغرافيين)،تحت قيادة المؤرخ هاري تزالاس، وإبراهيم درويش. وكان من أبرز أعضاء الفريق جورج كوتسوفلاكيس، وهو أثري وغواص، وفايدون آندونوبولوس وهو غواص خبير، وجورج نوميكوس وهو غواص مسؤول عن التنظيم المحلي.

وتعاون مع بعثتنا مختبر الجيولوجيا البحرية والأوقيانوغرافيا الفيزيائية التابع لقسم الجيولوجيا بجامعة باتراس. وتحت إشراف الأستاذ جورج فيرينتينوس والأستاذ جورج باباتيودورو، أجريت عمليات مسح جيوفيزيائي للبحث عن حطام السفن القديمة والإنشاءات العتيقة التي هي من صنع الإنسان، وذلك باستخدام سونار للمسح الجانبي وجهاز لرسم المقطع الجانبي لباطن القاع، ساعدا كثيراً على إنجاز العمل. وضم الفريق أيضاً أخصائيي الجيولوجيا البحرية التالية أسماؤهم: ماريا غيراغا، وأثينا شالاري، وديميتريس كريستودولو، وأريستوفانيس ستيفانوس.

منطقة المسح وسياقها التاريخي

تمتد المنطقة المخصصة للبعثة اليونانية طولاً على شاطئ «الرمل» من الحد الشرقي للميناء الشرقي للإسكندرية، والذي كان يُعرف في العصور القديمة «باسم الميناء الأكبر»، إلى شبه جزيرة المنتزه. وكان اليونانيون يطلقون على هذه المنطقة اسم H προς Ελευσινι Θαλασσα وكان الرومان يسمونها «Mare Eleusinium» (بحر ايلوزينيوم)1.

(1) (Αθηναιος .ειπνοσοRισται, XII, 576f (Teubner)

وتغيّر اسم «إيلوزيس» بعد ذلك إلى «جوليوبوليس» و»نيكوبوليس». ولما كانت المعرفة بطوبوغرافيا الاسكندرية العتيقة ناقصة وفي غاية الغموض، فلا يسعنا أن نفترض سوى أن الجدران البطلمية والرومانية كانت تحاذي الساحل من شرقي رأس لوخياس وتمتد ربما إلى حي الإبراهيمية الحالي (الفلكي، 1872؛ وبوتّي، 1898؛ وجونديه، 1921). بيد أننا نعرف أنه كانت توجد وراء هذه الجدران، أحياء شاطئية تزخر بأنواع مختلفة من الإنشاءات والأنشطة. ويلاحظ أن بقايا العديد من المقابر، والمنشآت العسكرية، والديار والمنازل، والأضرحة والمعالم الأثرية الصغيرة من مختلف العصور، بما في ذلك قبر ستراتونيتشي ومزار الشهيد القديس مرقس، كانت واضحة للعيان قبل التوسع الحضري الذي وارى معالم معظم الآثار القديمة (بارتوتشي، 1995). وثمة أنشطة لم يكن مسموحاً بها داخل جدران المدينة، باعتبارها ضارة بالبيئة، فكانت تمارس خارج الأسوار. ولذا علينا أن نتوقع أن تضم مدينة كبيرة بحجم مدينة الاسكندرية - التي ربما كانت تعّد قرابة مليون نسمة في نهاية العصر الروماني - على الشواطئ الواقعة خارج حدودها، الكثير من المحاجر والمدابغ وورش التحنيط وأحواض الصبغ ومصانع الملح، وكذلك صناعات تمليح السمك وتجفيفه.

وكان أحد أهداف برنامج المسح يتمثل في اقتفاء الخطوط الساحلية التي كانت قائمة في العصور القديمة، وربما في العصور الوسطى، واكتشاف ما قد تبقى من آثار ضئيلة خلفتها تلك الأنشطة، والتي أصبحت تغمرها المياه الآن كلياً أو جزئياً بسبب ارتفاع منسوب سطح البحر وهبوط مستوى الأرض، على حين أننا نتوقع العثور في المياه الأكثر عمقاً على مخلّفات الأنشطة البحرية. لقد ظلّت موانئ الاسكندرية تستخدم بلا انقطاع لما يزيد على 2300سنة. وكانت معظم التجارة البحرية تجري مع الشرق، وبالتالي فإنه من المنطقي الافتراض بأن المنطقة البحرية الواقعة خارج مدخل الموانئ مباشرة تحتوي على حطام سفن وبضائع متناثرة وتجهيزات سفن فقدت على مرّ القرون.

وركزت عمليتا المسح الأوليان بواسطة الغواصين على تحديد المواقع التي يمكن أن تكتشف فيها إنشاءات أو قطع أثريه قديمة. وخلال الحملتين الثالثة والرابعة؛ طلبنا المعونة من قسم الجيولوجيا البحرية بجامعة باتراس. فكشف سونار المسح الجانبي عن معالم في العمق يشتبه في أنها قد تدل على وجود حطام سفن وإنشاءات وقطع أثرية من صنع الإنسان.

الاكتشافات الأثرية

تمتد الرقعة التي تناولها مسحنا لمسافة 14 كيلومتراً بطول ساحل الاسكندرية وتغطي مساحة تناهز 44 كيلومتراً مربعاً وبدأنا بعمليات مسح موضعي بالغوص للمنطقة الممتدة من رأس لوخياس إلى خليج ستانلي. وأجري أيضاً مسح سطحي للمنطقة الواقعة قبالة حي سيدي بشر بجوار بقايا بئر تهوية عميق، ربما يكون جزءاً من مجمع مقابر قديم، تغمره المياه وهو الآن مغمور ويُعرف محلياً باسم «بئر مسعود». وتلا ذلك مسح كامل لنفس الأماكن بواسطة سونار المسح الجانبي من أجل فهم جيومورفولوجية المنطقة.
وبفضل الخبرة المكتسبة أثناء حملاتنا، توصلنا الآن إلى فهم أفضل للمنطقة وبوسعنا أن نركّز جهودنا على خمسة مواقع اهتدينا فيها إلى آثار، مغمورة (الشكل 14).

الشكل 14 – خريطة للمنطقة التي  خصصت للمسح اليوناني المصري  للآثار المغمورة بالمياه، تبين المواقع  الخمسة ذات الأهمية.

 

الموقع 1 في منطقة الشاطبي

الشكل 15 – صورة فسيفسائية التقطها  سونار المسح الجانبي تبين سمات طويلة  الشكل قد تشير إلى إنشاءات من صنع  الإنسان تتقاطع اثنتان من هذه السمات  عند النقطة A (تشير الأسهم إلى السمات طويلة الشكل)   المصدر: باباتيودورو

يجاور هذا الموقع المحيط الشرقي المغمور للحي الملكي الذي كان يقع جزء منه على اللسان الأرضي الذي يقوم عند طرفه معبد إيزيس لوخياس. وقد اكتشفت دلائل على وجود مخلفات من صنع الإنسان من خلال عملية المسح الجانبي بواسطة السونار. وبعض هذه الأهداف المكتشفة في المياه العميقة يمكن تفسيرها على أنها حطام سفن (وعلينا أن نقيّم عمر هذا الحطام لمعرفة ما إذا كان قديماً أو حديثاً)؛ بينما يشير بعضها الآخر إلى أنها قد تكون إنشاءات من صنع الإنسان (الشكل 15). وكانت حملتنا الخامسة هي الأجزل عطاءً. فهدوء البحر طيلة معظم شهر  نوفمبر/تشرين الثاني 2000 مكّن غواصينا من العمل مباشرة قرب طرف رأس لوكياس. فعلى عمق يناهز سبعة أمتار، تم اكتشاف عدة عناصر معمارية معظمها مصنوع من الغرانيت الأحمر، شوهدت متناثرة على قاع البحر، ومنها على الأخص ثلاث قطع هامة بسبب حجمها الكبير. واكتشفت قاعدة كاملة تزن أصلاً أكثر من 12 طناً وهي عبارة عن جزء من إطار باب ضخم بقي منه جذع طوله 3.60 متراً ووزنه قرابة 10 أطنان، كما اكتشف عنصر معماري كامل كان جزءاً من بوابة ضخمة يبلغ طوله 2.60 متراً ووزنه نحو 4 أطنان. وهذه القطعة من البوابة الضخمة لها أهمية خاصة لأن من المعروف أن مثل هذه الأبواب العظيمة وضعت في العصور البطلمية أمام معابد تحاكي الطراز الفرعوني؛ وقد اكتشفت تلك القطعة على مقربة من المكان المعروف لمعبد إيزيس لوخياس(2)

 

 

الموقع 2 في منطقة الشاطبي

هذا الموقع عبارة عن مساحة ساحلية هي امتداد مباشر للموقع 1 نحو الجنوب. وكانت الصور الفوتوغرافية الجوية قد كشفت بوضوح وجود إنشاءات من صنع الإنسان في المياه الضحلة قرب الشاطئ. وكشف سونار المسح الجانبي، على مقربة مباشرة من الإنشاءات نحو الشمال في المياه العميقة عددا من التضاريس غير العادية في قاع البحر تبين خطوطاً طولية تمتد بموازاة اللسان الأرضي. وثمة أيضاً آثار إنشاءات موازية للساحل ترقد على عمق بين متر وخمسة أمتار.

وتم القيام بعملية تنقيب أولية قرب كازينو الشاطبي في نوفمبر/تشرين الثاني 2000، ثم بعملية أخرى في مايو/أيار - يونيو حزيران 2001. وكان الغرض من هذا المسح هو التحقق مما إذا كان الكازينو يقبع، كما يعتقد، فوق آثار ضريح القديس مرقس الذي يشكل معلماً موقراً من القرن الرابع للميلاد. وتم حفر خندقين تحت ركائز الكازينو عام 2000، على عمق يتراوح بين متر ونصف ومترين، فعثر على عدد كبير من كسر الفخار، وقطع صغيرة من الرخام المهشم، والغرانيت، وغير ذلك من المشغولات الحجرية. ويمكن تأريخها جميعاً على أنها ترجع لفترة تمتد بين نهاية القرن الرابع والقرن السادس للميلاد. وفتح خندقان آخران في مايو/أيار - يونيو/حزيران 2001، على بعد 40 متراً غربي الكازينو دون العثور على شيء. وفي كلتا الحالتين، كان تسرب مياه البحر يجعل من المستحيل الحفر لأعماق تزيد على مترين، ولذا يتحتم علينا أن نعود إلى استكشاف الموقع بأجهزة الحفريات الملائمة.

الموقع 3 في منطقة الإبراهيمية

هذا الموقع عبارة عن شعاب صخرية محاطة بالرمل تقع على بعد 560 متراً من الشاطئ. واكتشف هناك تجمع كبير جداً من المخاطيف والأثقال الحجرية الصغيرة يشكل أكبر وأكثف تجمع لهذه القطع عثر عليه في البحر المتوسط. ومن مجموع المخاطيف والأثقال الحجرية التي اكتشف وعددها 55 قطعة، تم انتشال ثلاثين قطعة منها وسلمت لمختبر كوم الدكة لحفظها. ووجد كم هائل من كسر الخزف، معظمه من جرار رومانية متأخرة. ملتصقاً داخل تجاويف الصخور. وتم انتشال أربع وثلاثين كسرة من أنواع مختلفة من الجرار وسلمت لكي تحفظ في المختبر ذاته.

 

الشكل 16 – مخطاف حجري وجد  في الموقع 3 بالابراهيمية. الصورة : المعهد الهيليني لدراسات الاسكندرية في العصور القديمة والعصور الوسطى

 

تصور لأحد الفنانين لطريقة  استخدام هذا المخطاف الحجري. رسم:  ي. بانتزوبولوس دراسة: هـ. تزالاس

ونعتقد أن المخاطيف الحجرية - وجميعها من النمط الثلاثي الثقوب - وكذلك الأثقال الحجرية، كانت تستخدم في سفن صيد صغيرة الحجم، وأنها فقدت عندما انغرست في قاع بحري وعر (الشكل 16). واقتطعت شرائح رقيقة من مخطاف حجري وأخذت عيّنة من محجر الإبراهيمية وأرسلتا إلى قسم الجيولوجيا بجامعة باتراس لتحليلها. واكتشف أن شرائح المخطاف تماثل الحجر الجيري السرئي المأخوذ من نفس المحجر. وسيجرى نفس التحليل لكافة المخاطيف والأثقال الحجرية. ويمكننا من الآن القول إن مخطافاً واحداً على الأقل من المخاطيف المكتشفة هو من أصل محلّي مما يدل على أن السفينة التي فقدته كانت أيضاً محليّة.

وجاء أهم اكتشاف في هذا الموقع لدى قيامنا بآخر عمليات غوص، عندما وجدت وانتشلت عناصر رصاصية لمخطاف مُركّب ضخم. وتمثلت تلك في كتلة من الرصاص طولها متران وتزن اكثر من 250 كيلوغراماً وحلقة ربط ثقيلة من الرصاص لتثبيت ذراعي عارضة المخطاف الخشبية. وقد تحلّل الخشب من جرّاء البقاء قروناً تحت البحر، بيد أننا قدّرنا أن طول المخطاف عندما كان كاملاً كان يزيد على 3 أمتار وأن وزنه يناهز 600 كيلوغرام. ويعد هذا من أكبر هذا النوع من المخاطيف على الإطلاق التي عثر عليها في البحر المتوسط، ويمكن أن يرجع تاريخه إلى ما بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول للميلاد.

وبعد صون كل هذه المواد، ستسحب وتُدرس ثم سوف تنشر النتائج

الموقع 4 في منطقة الإبراهيمية

في المياه الضحلة بجوار الكورنيش، عثرنا على بقايا محجر كبير بشكل غير عادي، يمتد نحو 300 متر بطول الساحل ويمتد شمالاً داخل البحر لنحو 70 متراً. وتتراوح أعماقه بين ربع متر وخمسة أمتار. وقد شقت قناة صناعية عبر المحجر بأكمله كانت تستخدم على الأرجح لنقل كتل الحجارة على الأطواف. وشكّل الفراغ الناتج عن اقتطاع الأحجار أحواضاً متفاوتة الأحجام والأعماق. وربما كان لهذه الأحواض استخدام فرعي بوصفها مدابغ للجلود و/أو أحواض للصباغة. ويجد إلى جانب المحجر عدد من المواقع التي تضم مقابر حجرية، وكذلك بعض الإنشاءات على الساحل التي غمرت المياه جانبا منها والتي تحتاج إلى المزيد من الدراسة لفهمها. ويجري بكل عناية مسح مجمل هذا الموقع وإعداد خريطة طوبوغرافية له. وقد تراكمت الرمال في الأحواض وسيتعين إزالتها بواسطة الرفع الهيدرولي من أجل التأكد من عمق الحفر ثم القيام في نهاية المطاف باقتفاء أي مخلّفات قديمة قد تحمل معلومات قيّمة لفهم استخدامات هذا الموقع بعد التوقف عن أنشطة اقتطاع الحجارة منه.

وكشفت الإزاحة للرمال السطحية على الشاطئ بين المحجر وجدار الكورنيش، عن وجود كمية هائلة من الأحجار الكبيرة والصغيرة. والبعض من كتل الحجر الجيري هذه تماثل الكتل التي عثر عليها في البحر، وهي بقايا آخر أعمال اقتطاع الحجارة قبل هجر المقطع مباشرة. أما قطع الغرانيت والبازالت والرخام، وبعض قطع الحجر الجيري فهي تشكل بقايا عناصر معمارية. وفي هذه المرحلة المبكرة من الدراسة، فإن من السابق للأوان أن نميّز بين القطع التي تنتمي إلى العصور القديمة أو الوسطى أو العصر الحديث. ونعتقد أننا سنحتاج إلى بضع سنين قبل أن يتسنى لنا نشر أي استنتاجات نهائية بشأن هذا الموقع.

الموقع 5 في منطقة سبورتنج

اكتشف هذا الموقع أثناء آخر عملية مسح قمنا بها، وقد لوحظ عند التقاط صور جوية لمنطقة سبورتنج الساحلية فشوهدت تحت المياه الضحلة مساحة واسعة مغطاة بأساسات وأطلال مجمع من الإنشاءات البشرية. والمبنى الرئيسي، الذي يمكن رؤية أن أساساته قد قُدت بعمق داخل الصخر المُسوّى السطح، مبنى مربع الشكل ومقسم طوليا إلى ثلاثة أجزاء. ويبلغ طول الكلي نحو 57 متراً وعرضه الكلي نحو 18 متراً.

ويقع اتجاه ذلك المبنى من الشرق إلى الغرب على وجه التقريب. وتوجد منشأة ملاصقة له من الناحية الغربية، ذات شكل دائري إهليلجي تقريباً يناهز قطرها 50 متراً. واحتفظت كل الإنشاءات بالأنفاق العميقة التي قُدت في الصخر وكذلك بعض المخلفات القليلة من أعمال البناء. وثمة أيضاً بعض الكتل الاسطوانية المكسورة من جذوع الأعمدة وتيجانها. والمساحة الفاصلة بين المبنى المستطيل الشكل والشاطئ الحالي مغطاة بتجاويف غائرة ناتجة عن أعمال اقتطاع الأحجار التي يرجّح أنها سبقت إقامة المنشآت الكبيرة، وربما كانت جزءاً من أعمال تسوية سطح الموقع. وقد أعدت رسوم أولية للإنشاءات المغمورة، ولكن سوف يلزم وقت طويل لدراسة هذه الآثار القديمة الهامة للغاية والمتناثرة على مساحة واسعة جداً، ثم إعداد رسوم لها وفهم طبيعتها بصورة كاملة. ولا يمكن في هذه المرحلة تحديد أي أجل زمني لذلك.

الاكتشافات والملاحظات الحديثة

أثناء حملتنا السادسة في مايو/أيار - يونيو/حزيران 2001، واصلنا وإلى جانب الحفائر المنفذة في الموقع 2 في الشاطبي مسح الموقع 1 في الشاطبي، فتم العثور على ثمانية عناصر أخرى من الغرانيت المعماري تزن ما بين 1000 و 3000 كيلوغرام تقريباً. واكتشفت مخاطيف حجرية أخرى استخرجت من الموقع 3 بالإبراهيمية، بينما خضع المحجر (الموقع 4 بالإبراهيمية) لعمليات تصوير فوتوغرافي ورسم واسع النطاق. ومن الموقع 5 بحي سبورتنغ استخرجنا تاجين حجريين صغيرين من تيجان الأعمدة تمّ العثور عليها في بعض المنشآت المغمورة بالمياه وغير المعروفة الأصل. ونأمل أن تساعد هذه التيجان بعد عملية الصون، على تحديد تاريخ المجمع المغمور بالمياه. وتلت ذلك حملتنا السابعة التي قمنا بها في نوفمبر/تشرين الثاني 2001.

فيما يتعلق بالمشروع الجاري لتوسيع الكورنيش، ما من شك في أن أعماله تسببت في تدمير و/أو مواراة آثار قديمة. ففي الشاطبي بوجه خاص (على الرغم من أن الكازينو لن يزال) سوف تلحق بالشريط الساحلي العتيق والآثار القديمة الموجودة أضرار لا مردّ لها. أما المحجر الذي تغمره المياه في الإبراهيمية فإن الأضرار تلحق به في الوقت الراهن من جراء توسيع الطريق الساحلي، وكل الآثار القديمة سيتم في الغالب تدميرها بصورة نهائية. غير أننا فوجئنا مفاجأة سارة إذ لاحظنا أن الأعمال لم يكن لها أثر على الموقع 5 في سبورتنج.

بيئة الموقع والديناميّات المحلية

من المعروف أن مستوى سطح البحر المتوسط ما برح يرتفع، منذ ذوبان الأنهار الجليدية قبل 000 10 سنة تقريباً، بمعدّل متر واحد كل ألف سنة. وبالطبع، لا يمكن أن يوجد نموذج أوحد، وذلك بسبب الظواهر الطبيعية الأخرى (مثل التكتونية،وانزلاق الجرف القاري البحري، وهبوط سطح الأرض بسبب ثقل التكوينات الرسوبية) التي يمكن أن تغيّر هذا النموذج تغييراً جذرياً. فشواطئ الاسكندرية، وكذلك شواطئ دلتا النيل، قد كونها تراكم الترسّبات، وعلى الرغم من أننا نعرف أن الساحل القديم مغمور الآن بالمياه، فإن انغماره لم يكن منتظماً أو مطرداً. وتشير عمليات المسح تحت المائي التي أجرتها مؤخراً بعثات فرنسية في الاسكندرية بموقع فاروس وكذلك بالميناء الشرقي إلى أن هبوط مستوى سطح الأرض قد يصل إلى خمسة أمتار في بعض المناطق. وستكون من مهمة الجيولوجيين المتخصّصين في دراسة ارتفاع مستوى سطح البحر المتوسط وهبوط مستوى شواطئ الاسكندرية، أن يدرسوا مورفولوجية الساحل القديم المغمور بالمياه.

وركزت البعثة اهتمامها كذلك على تفهّم البيئة المحلية والديناميات التي تؤثر على مختلف الجوانب ذات الأهمية. فساحل الاسكندرية معّرض لتأثير الطقس من جميع الجهات، باستثناء الرياح الجنوبية. وبالتالي فإن مراعاة الجمع بين انعكاسات التعّرض للرياح وتأثير مياه البحر المتوسط المفتوحة، الذي يترك وقعاً مباشراً على الساحل، لمن العوامل الأساسية لفهم أي موقع من المواقع ذات الأهمية. يمكن للبيئة البحرية أن تؤثر بصورة مختلفة، تبعاً لعمق كل موقع، على طبوغرافية الموقع وعلى تناثر المواد في قاع البحر. ويتضح هذا الأمر خاصة في المياه الساحلية المباشرة حيث تخلّف حركة الأمواج والتحات آثاراً خطيرة. وهناك عدة أمثلة على ذلك، ولكننا نكتفي بالقول إن المخاطيف الحجرية التي عُثر عليها في حيد الإبراهيمية البحري، والتي حددت مواقعها على الخريطة التي أعدها فريق الغوص أثناء الحملات السابقة، لم يتسن العثور عليها في وقت لاحق لأنها انتقلت بفعل حركة الأمواج والتيارات. وتمثل القطوع الصخرية الاصطناعية بمحجر الإبراهيمية مؤشرا آخر على الديناميات البحرية المحلية التي لا تؤثر على هذا الموقع فحسب بل تؤثر أيضا على أي موقع ساحلي آخر غير محمي على امتداد شاطئ الاسكندرية فالرمال كانت لا تفتأ تغطي القطوع الصخرية الأعمق موقعا التي تبعد عن الشاطئ بمسافة تتراوح بين 40 و 50 متراً تقريباً، فقد كان عمقها يبلغ عندما تمّ قياسه قبل عامين مترين، بينما أصبح لا يزيد الآن على متر واحد.

ويمكن مع ذلك قياس الديناميات البحرية المحلية أيضاً بواسطة عمليات المسح الجانبي التي يقوم بها أخصائي الجيولوجيا البحرية الذي أعاد مسح عدة أهداف يحتمل أن تشكل حطام سفن. ولأن حركة البحر نقلت كميات كبيرة من الرمال والمواد، فقد توارت بعض المواقع وتعذر العثور عليها مجدداً بواسطة عمليات المسح، على حين انكشفت مواد جديدة في أماكن أخرى.

وختاماً، من الواضح أن ديناميات البحر على طول ساحل الاسكندرية وقبالته على السواء تؤثر على كل موقع وعلى تناثر المواد المكتشفة فيها. فالأمواج الكبيرة التي تشهدها المنطقة ويلحظ الغواصون تأثيرها على أعماق تصل إلى 12 متراً تشكل عوامل أساسية في إعادة تناثر المواد في قاع البحر. وبالمثل تؤدي عمليات الانجراف والتحات على امتداد الشاطئ دوراً هاماً في تغيّر السمات الطوبوغرافية وطبيعتها بوجه عام.

وبالنظر إلى اتساع رقعة المنطقة التي نقوم بمسحها، وكذلك إلى الصعوبات التي واجهها الغواصون بسبب تعرض المنطقة للرياح الشديدة، نعتقد أنه لا بدّ من العمل الدؤوب لمدة 15 سنة على الأقل من أجل استكمال المسح الشامل للمنطقة بأكملها. وربما يقتضي الأمر، على ضوء ما يتحقق من اكتشافات، فترات زمنية أطول لإجراء الحفريات في كل موقع من المواقع المهمة، ثم العمل على نشر النتائج العملية.

المراجع

Bartocci, M. (1995). Alexandrie, Plan de la Ville Ancienne et Moderne. In: André Bernand, Alexandrie des Ptolémées. Paris.

Botti, G. (1898). Plan de la Ville d’Alexandrie à l’ةpoque Ptolémaïque. Mémoire présenté à la Société Archéologique, Alexandria.

El Falaki, M. B. (1872). Carte de l’Antique Alexandrie et de ses Faubourgs. Copenhagen

.Jondet, G. (1921). Atlas Historique de la Ville d’Alexandrie et de ses Ports. Société Sultanieh de Géographie, Cairo, pls XXXVI, XXXVII and XXXVIII

Morcos, S. (2000). Early discoveries of submarine arhaeological sites in Alexandria. In: Mostafa, M. H. et al. (eds.), Underwater Archaeology and Coastal Management, Focus on Alexandria. UNESCO, Paris, pp. 33–45.

Tzalas, H. E. (2000). The two ports of Alexandria. Plans and maps from the 14th C. to the time of Mohamed Ali. In: Mostafa, M. H. et al. (eds.), Underwater Archaeology and Coastal Management, Focus on Alexandria. UNESCO, Paris, pp. 22–32