4 أنشطة المتابعة

هناك حاجة عاجلة إلى ضمان سلامة منطقة الميناء الشرقي وتأمين مستقبلها، لأنها تشكل قلب مدينة الاسكندرية القديمة ومحيطها في آن واحد، وتضفي على منطقة وسط المدينة طابعها الفريد. كما أنها تربط المدينة بماضيها، بعصر كان فيه الميناء الشرقي ومنارة فاروس والمكتبة مركز التجارة والسفر والعلم في حوض البحر المتوسط. وفي الوقت الحاضر، يعد الميناء الشرقي مركزا لأسطول صيد تجاري صغير ويضم مرافق لرسو السفن وصيانتها وبنائها، بالإضافة إلى مراس لليخوت ومراكز للترويح. وقد أعيد بناء مكتبة الاسكندرية القديمة وتم افتتاحها في عام 2002 إثر حملة دولية قامت بها اليونسكو من أجل إحياء المكتبة.

وتمثل الزيادة السكانية، والتحول الحضري السريع، وقصور التخطيط، والتلوث عوامل تهدد المواقع الأثرية واستمرار الاستخدام التجاري للميناء وإمكانية تطويره كمنطقة جذب سياحي. وينبغي لأي تدخل مقترح أن يراعي ضرورة حماية جميع المواقع الأثرية وصون سلامتها، بما فيها المنارة المغمورة، والقلعة، والحي الملكي والسلسلة (الشكل 9).

الشكل 9 – خريطة تخطيطية للإسكندرية  تبين المواق الهامة التي ينبغي أخذها في الاعتبار  في سياق إدارة المناطق الساحلية (مهدي، 1999، تقرير غير منشور)

وفي أعقاب الندوة الدولية التي عقدت في عام 1997، اتخذت عدة تدابير لتنفيذ بعض التوصيات المنبثقة عنها. وسيتناول هذا الفصل مناقشة التدابير المذكورة التي يتضمن الجدول 1 ملخصا لها. وتشمل هذه التدابير دراسات جدوى واستقصاءات أجراها الخبراء عن جوانب شتى للموقع، وندوة أخرى، وعدة مناقشات نظمت على هيئة اجتماعات مائدة مستديرة.

التقييم الإنشائي لقلعة قايتباي

من التوصيات الأساسية التي قدمتها الندوة الدولية عن الآثار المغمورة وإدارة البيئة الساحلية ضرورة إجراء تقييم للحالة الإنشائية لقلعة قايتباي ومدى مناعتها. واستجابة لطلب من المجلس الأعلى للآثار بالحصول على مساعدة تقنية، أُجري بمعونة اليونسكو في سبتمبر/أيلول 1997 تقييم لأضرار الأمواج ولتأثير الأنشطة البشرية على موقعي قلعة قايتباي ومنارة فاروس. وتألف فريق التقييم من الدكتور المهندس دوني ألبريشت، فرنسا؛ والدكتور المهندس برتران لاتو، فرنسا؛ والأستاذ الدكتور المهندس غورغيو كروتشي، إيطاليا؛ والأستاذ بورغارد فليمنغ، ألمانيا.

وفي سياق هذا الاستقصاء (ألبريشت، وآخرون، 1997 أ، و 1997 ب، بحثان غير منشورين؛ وألبريشت وآخرون، 2000)، تمّ تقسيم موقع القلعة إلى ثلاث مناطق، هي: (1) حصن قايتباي نفسه الذي يتألف من مبنى محصن مربع يبلغ طول كل ضلع من أضلاعه نحو 30 مترا؛ (2) القلعة التي تطوق حصن قايتباي بصورة كاملة والتي يحيط بمعظمها سور متصل؛ (3) منصة خرسانية تبطن القلعة بطول جانبيها الشرقي والشمالي الشرقي (الشكل 10 ص 42). ويضم الشكل 11 (ص 43) صورتين لحصن قايتباي قبل الترميم وبعده.

الجدول 1 -     ملخص لأنشطة متابعة الندوة الدولية عن الآثار المغمورة وإدارة البيئة  الساحلية، 1997-1999

التقييم الإنشائي لقلعة قايتباي 6-12 سبتمبر/أيلول 1997
دراسة جدوى عن إنشاء متحف أثري تحت الماء، وإدارة موقع قلعة قايتباي والميناء الشرقي 6-17 سبتمبر/أيلول 1998
اجتماع مائدة مستديرة عن المتحف الأثري المقترح إقامته تحت الماء وإدارة موقع قلعة قايتباي والميناء الشرقي 16 سبتمبر/أيلول 1998
القرار القاضي بإنشاء اللجنة الاستشارية للتخطيط والمتابعة من أجل حماية وتطوير المواقع المغمورة وقلعة قايتباي 22 سبتمبر/أيلول 1998

الاجتماع الأول للجنة الاستشارية للتخطيط والمتابعة

27 أكتوبر/تشرين الأول 1998
الاجتماع الأول لفريق العمل الخاص الذي شكلته اللجنة الاستشارية للتخطيط والمتابعة 9 ديسمبر/كانون الأول 1998
اجتماع مائدة مستديرة بشأن المشروع الرائد لإنشاء متحف أثري تحت الماء وإدارة موقع قلعة قايتباي والميناء الشرقي 13-14 ديسمبر/كانون الأول 1998
استقصاء بشأن التلوث البحري وإدارة المياه الحضرية في الميناء الشرقي 30 يناير/كانون الثاني – 8 فبراير/شباط 1999
حلقة عمل عن حالة المشروع الرائد للتنمية المستدامة للمواقع الأثرية المغمورة بالمياه حول قلعة قايتباي وفي الميناء الشرقي.اعتماد خطة عمل. 20-21 نوفمبر/تشرين الثاني 1999

ويمكن تلخيص النتائج الأساسية للتقييم الإنشائي على النحو التالي :

وعلى إثر هذا التييم، وضعت توصيات بخصوص التدابير التي يتعين تنفيذها مستقبلا في الأجلين القصير والطويل على حد سواء. وفي الأجل القصير، تمت التوصية باتخاذ التدابير الفورية التالية :

وفي الأجل الطويل، تمت التوصية بتنفيذ الاستراتيجيات التالية :

      -إجراء دراسة ببليوغرافية مفصلة للأحداث المتصلة ببناء القلعة والأضرار التي لحقت بها وأعمال الترميم التي أجريت لها،

      - جمع بيانات عن مناخ المنطقة وأوقيانوغرافيتها وجيولوجيتها وتطور ساحلها،

      - وضع نماذج بشأن (1) حركة الأمواج من داخل البحر إلى الساحل ومدى تأثر الأمواج في المنطقة المحمية، بالإنشاءات المحتمل إقامتها، (2) الحركة العامة للتيارات البحرية داخل البحر والقوى الناتجة من الأمواج في منطقة انكسار الأمواج على الشاطىء، (3) التغيرات المورفولوجية لقاع البحر على المدى الطويل.

 

الشكل 10 – رسم تخطيطي يستند إلى صور ملتقطة تحت الماء، يبين موضع الكتل  الخرسانية المرتكزة على جزء من موقع فاروس (من التقرير النهائي للبعثة 1) (أ) حصن قايتباي. (ب) القلعة، التي تطوق الحصن بصورة كاملة (جـ) المنصة الخرسانية التي تبطن القلعة بطول جانبيها الشرقي والشمالي الشرقي (د) حاجز أمواج يتألف من كتل خرسانية ضخمة (هـ) 180 كتلة خرسانية ضخمة (أسقطت في عام 1993). (و) موقع فاروس الأثري المغمور بالمياه. (ز) حاجز الأمواج الحديث في الميناء الشرقي.

الشكل 11 - حصن قايتباي قبل وبعد  الترميم في الثلاثينات. المصدر: المركز الإعلامي بالمجلس الأعلى للآثار

دراسة جدوى عن إنشاء متحف أثري تحت الماء وإدارة موقع قلعة قايتباي والميناء الشرقي

اقترح سليم مرقس (1965) انشاء متحف بحري تحت الماء يضم الآثار المغمورة في الميناء الشرقي في المناطق المحيطة بقلعة قايتباي والسلسلة وطرح تلك الفكرة للمرة الأولى في كتابه حضارات غارقة، قصة «الكشوف الأثرية تحت البحر» (دار المعارف، القاهرة، 1965). فقد رأى أن “بمقدور الزوار مشاهدة آثار فاروس والمنشآت الأخرى في موضعها، بدلا من رفعها وتخزينها في المتاحف... خاصة وأنها آثار ومنشآت هائلة الحجم، وموزعة على مساحة واسعة، وتشكل مجموعة مترابطة تتكامل مع الموقع الأثري”. كما أن الدراسات والاكتشافات التي تمت منذ ذلك الحين، من جانب هونور فروست في عام 1969 (فروست، 1975)، ثم على يد جان إيف اومبرور وفريقه منذ عام 1995 (ايمبرور، 2000). وفريق فرانك غوديو منذ 1996 (غوديو، 2000)، قد ساقت حججا مقنعة تؤيد إقامة متحف تحت الماء.

وأوصت الندوة الدولية عن الآثار المغمورة وإدارة البيئة الساحلية بوضع خطة إدارة طويلة الأجل تتضمن دراسة للقيمة الاقتصادية التي يمكن تحقيقها لمواقع الاسكندرية الأثرية بفضل تدفق السائحين والزوار، من خلال تدابير مثل تطوير المتاحف والمتنزهات الأثرية (على اليابسة وتحت الماء).

ومتابعة لهذه التوصية، زار فريق خبراء دولي الموقع في الفترة من 12 إلى 17 سبتمبر/أيلول 1998 من أجل (1) دراسة جدوى إنشاء متحف تحت الماء في موقع منارة الاسكندرية القديمة في موضع قلعة قايتباي؛ (2) اقتراح استراتيجية لإنشاء مثل هذا المتحف إذا كانت إقامته ممكنة عمليا، أو اقتراح بدائل له إذا لم تكن إقامته ممكنة عمليا؛ (3) وضع اقتراحات لإدارة التدفق السياحي على الموقع ولتفسير دلالته للجمهور؛ (4) وضع اقتراحات لأسلوب عرض مقتنيات المعرض على الجمهور؛ (5) إعداد تقديرات أولية بتكاليف التنفيذ. وضم هذا الفريق، الذي حظي بدعم اليونسكو، السيد أوغوز ألبوزين مدير متحف بودروم للآثار المغمورة، تركيا، والسيد غرايمي هندرسون مدير المتحف البحري لغربي أستراليا، أستراليا.

ويمكن تلخيص النتائج الأساسية التي توصل إليها الفريق (ألبوزين وهندرسون، 1998، بحث غير منشور) على النحو التالي:

وعلى إثر هذه الدراسة، وضعت توصيات بالتدابير التي يتعين تنفيذها مستقبلا، في الأجلين القصير والطويل. وكانت التدابير الموصى بتنفيذها في الأجل القصير هي:

أما في الأجل الطويل فقد تمت التوصية بثلاث مراحل هي:

● أثناء المرحلة 1، سيتعين إقامة أو تعزيز ال:

وتصل تقديرات التكاليف الأولية للمرافق البرية والبحرية الموصوفة في المرحلتين 1 و 2 إلى 2.5 مليون دولار أمريكي.

أنشطة التخطيط وتشكيل لجنة استشارية للتخطيط والمتابعة

كان من توصيات الندوة الدولية عن الآثار المغمورة وإدارة البيئة الساحلية إنشاء فريق صغير لمتابعة توصيات الندوة.

وفي سبتمبر/أيلول 1998، حضر نحو 30 ممثلا وخبيرا من المجلس الأعلى للآثار، ومحافظة الاسكندرية، وجامعة الاسكندرية، ومعهد بحوث المناطق الساحلية، ووزارة السياحة، واليونسكو، مناقشة نظمت على هيئة اجتماع مائدة مستديرة. وفي أعقاب عرض عملي قدمه اثنان من الخبراء المشاركين في دراسة الجدوى عن المتحف المزمع إقامته تحت الماء، اتفقت الآراء على أن القطع الأثرية المغمورة بالمياه، وقلعة قايتباي، والميناء الشرقي تملك المقومات اللازمة لتكوين متحف أثري متكامل تقوم القلعة فيه بدور المنصة الرئيسية التي  تضم المعروضات والمرافق.

الشكل 13- تمّ انتشال تمثال بطليموس العملاق (13 مترا)  على هيئة أجزاء منفصلة، فانتشل الجذع  في عام 1995، ثم الرأس والذراعان في عام 1996؛ وعرض التمثال في معرض “مجد الاسكندرية”  الذي أقيم بمتحف القصر الصغير (Le Petit Palais) الاسكندرية” عام 1998، حيث لقي إقبالاً شديداً. الصورة: س. مرقس(1)

وفيما يتعلق بالتوصيات الأخرى، أحرز تقدم في رفع الكتل الخرسانية المائة والثمانين من الموقع الأثري المغمور. وقد رفعت عشر كتل في عام 1996 للبحث عن ساقي وقدمي تمثال بطليموس العملاق (الشكل 13)، ورفعت 45 كتلة في فبراير/شباط 1998، ثم رفعت بقية الكتل أخيرا في يناير/كانون الثاني 2001. وبذلك أصبح الحقل الأثري مهيأ بصورة كاملة لمباشرة أعمال التنقيب ولإدماجه في المتحف المقترح إقامته تحت الماء.

 

ورتب المجلس الأعلى للآثار قيام الغواصين في عام 1999 بفحص الأجزاء التي طالها العطب من المنصة الموجودة أسفل قلعة قايتباي والتجاويف الموجودة أسفل حجر الأساس، وبتوثيق تلك الأعمال فوتوغرافيا. وتمّ تدعيم المنصة تدعيما متينا بصب تكسية خرسانية سميكة فوقها. غير أن الأمر يستلزم مزيدا من أعمال التثبيت.

وفي 22 سبتمبر/أيلول 1998، أصدر الدكتور ج. جاب الله، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، قراراً بتشكيل اللجنة الاستشارية لتخطيط ومتابعة مشروع حماية وتطوير المواقع المغمورة وقلعة قايتباي. وألفت اللجنة في اجتماعها الأول، الذي عقدته في أكتوبر/تشرين الأول 1998، فريق عمل تقنياً خاصاً لاستعراض البيانات المتاحة والمعلومات ذات الصلة بالمشروع، والتوصية بالتدابير التي يتعين تنفيذها مستقبلا. وأوليت عناية خاصة للقلعة وسلامتها، وكان خمسة من الأحد عشر عضوا المعينين في فريق العمل مهتمين بشكل مباشر أو غير مباشر بهذه القضية (الملحق 5).

وبالإضافة إلى فريق العمل الخاص، كلف مكتب اليونسكو بالقاهرة الأستاذ الدكتور س. شرف الدين باستعراض أوقيانوغرافيا منطقة الاسكندرية الساحلية (شرف الدين، بحث غير مؤرخ وغير منشور). وسلط أعضاء الفريق، في تقارير كل منهم، الضوء على حصيلة وافرة من المعلومات المتصلة بكل من العمليات الطبيعية والبشرية التي يرجح أن تؤثر على القلعة والبيئة البحرية في المناطق المعنية. وحدد أعضاء الفريق المجالات التي لا تتوافر معرفة يقينية بشأنها، ووضعوا توصيات محددة لاستقاء البيانات الضرورية. وجمعت التقارير العشرة التي أعدها الفريق في ثلاثة مجلدات وأودعت لدى اليونسكو والمجلس الأعلى للآثار.

وفي مناقشة ثانية نظمت على هيئة اجتماع مائدة مستديرة في ديسمبر/كانون الأول 1998، اتفقت الآراء على تنفيذ توصيات بعثة الخبراء، التي تمت في عام سبتمبر/أيلول 1997، بشأن ثبات القلعة. وتشمل هذه التوصيات إجراء فحص وتحليل بالمنظار الداخلي للتجاويف الموجودة أسفل المنصة الخرسانية باستخدام كاميرا تلفزيونية صغيرة جدا منيعة إزاء نفاذ الماء يتمّ إنزالها بواسطة كابل مؤلف من آلياف بصرية، واتخاذ التدابير اللازمة لتثبيت المنصة الخرسانية.

كما نوقشت أثناء اجتماع المائدة المستديرة الثاني مسألتي التلوث البحري وإدارة مياه الصرف الحضري في الميناء الشرقي. وقالت الدكتورة ناريمان مصطفى سهيل، من الهيئة العامة للصرف الصحي بالاسكندرية، إن مصرفي قايتباي والسلسلة لن يقفلا حتى عام 2003، وإن محطة المعالجة الغربية التي ستؤمن المعالجة الثانوية لمياه المجاري التي تصرف حالياً في بحيرة مريوط ومنها إلى البحر عند المكس غربي الاسكندرية، لن يبدأ تشغيلها قبل عام 2010. وأوصى بقوة المشاركون في اجتماع المائدة المستديرة بضرورة بذل الجهود لوقف التخلص من مياه المجاري غير المعالجة في البحر قبل هذين التاريخين.

التلوث البحري وإدارة مياه الصرف الصحي في الميناء الشرقي

أخذت مشكلات الاسكندرية البيئية تتزايد خطورتها مع تزايد عدد سكان الاسكندرية منذ بداية القرن العشرين وما ارتبط بذلك التزايد من اتساع نطاق التنمية العمرانية والصناعية (حليم وأبو شوق، 2000). وينجم التلوث البحري في الميناء الشرقي وحول قلعة قايتباي عن تصريف مياه الصرف الصحي للمدينة. ويقع مصرف قايتباي، وهو المخرج الرئيسي لتصريف تلك المياه، على مبعدة بضع مئات من الأمتار غربي فاروس. ويقع مصرف آخر أصغر حجما، هو مصرف السلسلة، في الجانب الشرقي لشبة جزيرة السلسلة هذه. ويقع كلا المصرفين خارج الميناء الشرقي ولكن الميناء يتلقى تدفقا متقطعا من مياه الصرف من مصرف آخر. وقد بدأت نوعية المياه في الميناء الشرقي تتعرض لتدهور خطير منذ قرابة أربعين عاما عندما بدأ تشغيل هذه المصارف.

وهناك تسليم واسع النطاق بأن حالة التلوث في الميناء الشرقي هي أضخم عقبة تواجه تنمية المنطقة ككل، ولا سيما إنشاء متحف أثري تحت الماء. فمن غير المعقول أن يُجلب السائحين لزيارة الموقع أو أن يجلب الغواصون لاستكشاف الكنوز الراقدة تحت الماء ما بقي تصريف مياه الصرف الصحي يشكل خطرا على الصحة. وتدفع الرياح الشمالية المياه الملوثة من مصرف قايتباي إلى موقع فاروس، الذي لا يبعد عنه إلا بضع مئات من الأمتار. كما أن طبقات الرواسب التي تراكمت خلال السنوات الأربعين الماضية منذ بدء تصريف مياه الصرف الصحي الحضري في المياه المحيطة بالميناء الشرقي، تغطي المواقع الأثرية.

ويشكل وضع حد لهذه الحالة عبئا مالياً على مدينة الاسكندرية وتحديا تكنولوجيا مطروحا عليها. والحل البديهي هو تغيير نظام إدارة المياه الحضرية. ولكن حتى لو تمّ إيقاف تصريف مياه الصرف المنزلي في المنطقة فسيظل من المتعين بذل كثير من الجهود إذا ما كان لذلك المسطح المائي ولقاع البحر أن يستردا نقاءهما.

وفي أواخر عام 1998، أجرى الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عامر، الأستاذ بكلية الهندسة جامعة القاهرة، تقييما تقنيا لنظامي الإمدادات المائية والصرف الصحي بالاسكندرية (عامر، 1998، بحث غير منشور). ثم أجرى الدكتور ألفونسوس نيلين في يناير/كانون الثاني- فبراير/شباط 1999 تقييما لبنية إدارة نظام مياه الاسكندرية (نيلين وعامر، 1999، بحث غير منشور).

ويمكن تلخيص النتائج الأساسية لهذين التقييمين على النحو التالي :

ولا توجد في الاسكندرية أي هيئة بمقدورها توفير صورة شاملة عن القضايا البيئية أو أي تقييم لشبكة المياه المادية القائمة، ومن ثم لا يوجد تحديد واضح للمشكلة، وتعمل كل هيئة بطريقة مجزأة. ومن ثم، لا يتم استخدام الموارد المالية والبشرية المحدودة استخداما فعّالا. ولذا، وُضعت التوصيات التالية:

وفي أعقاب هذا التقييم، وأثناء ندوة عُقدت في نوفمبر/تشرين الثاني 1999 بشأن حالة المشروع الرائد للتنمية المستدامة للموقع الأثري المغمور في منطقة قلعة قايتباي والميناء الشرقي، أوضح عرض عن نوعية المياه ومكافحة التلوث أن نوعية البيئة في الميناء الشرقي قد تحسنت خلال السنوات الخمس الماضية (الملحق 6). وقد حدث هذا التحسن في أعقاب الوقف الجزئي لتصريف مياه الصرف في الميناء الشرقي في عام 1993. ومن المنتظر أن يؤدي إقفال مصرفي قايتباي والسلسلة في عام 2003 إلى تحسين الوضع بقدر إضافي، وإن كان لا يمكن توقع أن تصبح المياه الساحلية صافية تماما إلى أن تعالج مياه الصرف الآتية من بحيرة مريوط معالجة شاملة.

وحتى عندما يتم وقف كل عمليات صرف المياه في المنطقة المحيطة بالميناء الشرقي، فسيحتاج الأمر إلى بعض الوقت قبل أن تصبح المنطقة مناسبة للغوص. فالملوثات التي ترسبت خلال السنوات الماضية ستظل موجودة في البيئة البحرية، وإن كانت قد تتوزع بشكل جديد. ويعد العمر المتوقع لهذه الملوثات حاسم الأهمية للمتحف المقترح إقامته تحت الماء. وقد تمت الموافقة، في إطار برنامج المساهمة في اليونسكو لعامي 2000-2001، على مشروع بشأن «حالة التلوث البحري والمشكلات الاجتماعية الاقتصادية المتصلة بنجاح المشروع الرامي إلى إقامة متحف أثري تحت الماء في الميناء الشرقي». ويستهدف هذا المشروع، الذي ينفذه قسم علوم البحار بجامعة الاسكندرية، وضع نماذج لعملية انتقال الملوثات استنادا إلى مشاهدات وتحاليل ميدانية. وما أن تتوافر هذه المعلومات سيتسنى تحديد وقت مناسب لافتتاح متحف تحت الماء.

 

غير أن معدل انبعاث الملوثات سيتوقف أيضا على ديناميات الخليج، كما أشار إلى ذلك الأستاذ الدكتور فريحي أثناء حلقة العمل التي عقدت في عام 1999. فالقوى الهيدرودينامية تنحر بصفة مستمرة رواسب الميناء الشرقي بطول محوره الشمالي الجنوبي. ويتسرب نحو 70% من المواد المتحاتة من الميناء لتترسب داخل البحر. وتعجل هذه العملية، بلا ريب، استعادة مياه الميناء الشرقي لنقائها.

وعلى الرغم من أنه قد أشير مرارا إلى أن القضاء على التلوث وضمان نقاء المياه وسلامتها يعدان شرطين مسبقين للسماح للسياح بالغوص، فقد منحت مؤخرا ترخيصات محدودة للغوص في موقع فاروس خارج الميناء الشرقي (وليس داخله حيث يعد مستوى التلوث أكثر ارتفاعا). فقد أرادت أربع شركات سياحية تنظيم جولات في الموقع وأعطيت ترخيصا بالغوص اعتبارا من أكتوبر/تشرين الأول 2001. ومن المأمول ألا تؤدي أية خيبة أمل إزاء حالة المياه الراهنة المعيبة إلى الإضرار بالخطط المقبلة لإقامة متنزه تحت الماء.

ندوة عن التنمية المستدامة للمواقع الأثرية المغمورة في منطقة قلعة قايتباي والميناء الشرقي

عقدت ندوة في يومي 20 و 21 نوفمبر/تشرين الثاني 1999 بقسم علوم البحار بكلية العلوم، جامعة الاسكندرية، لتقييم حالة المشروع الرائد للتنمية المستدامة للمواقع الأثرية المغمورة في منطقة قلعة قايتباي والميناء الشرقي (1999، بحث غير منشور). وقد تولى تنظيم هذه الندوة المجلس الأعلى للآثار وجامعة الاسكندرية، ومكتب اليونسكو بالقاهرة، كمتابعة لتوصيات الندوة الدولية في عام 1997 واجتماع المائدة المستديرة عام 1998. وحضر الندوة ما يربو على 40 مشاركا من المؤسسات التي نظمت الندوة، ومحافظة الاسكندرية، وغيرها من المؤسسات الوطنية والمنظمات غير الحكومية؛ كما دعي عدة خبراء دوليين إلى حضور هذه الندوة. وكانت للندوة ثلاثة أهداف هي: (1) استعراض نتائج أعمال فريق العمل الخاص؛ (2) مناقشة وإقرار خطة عمل؛ (3) تقييم التقدم المحرز والتوصية بالتدابير التي يتعين اتخاذها مستقبلا.

وقبل الجلسة التقنية، قدم الدكتور جاب الله وأعضاء اللجنة الاستشارية للتخطيط والمتابعة عدة استعراضات تمهيدية. وتمّ التأكيد على ضرورة المبادرة فورا إلى حماية أساس القلعة، وإلى ضرورة الإدارة المستدامة للمنطقة الساحلية لمدينة الاسكندرية القديمة.

وعرضت ونوقشت عشرة تقارير قدمها فريق العمل الخاص (العبادي وحليم، 1999، بحوث غير منشورة). وتناولت هذه التقارير جوانب أثرية، واجتماعية اقتصادية، ومناخية، وهيدرودينامية، وجيومورفودينامية، وزلزالية، وجوانب تتصل بنوعية المياه، كما تناولت التقارير التحسينات المرتقبة في نظام الصرف الصحي بالاسكندرية. ويتضمن الملحق 6 أهم ما جاء بهذه التقارير، وترد أدناه التوصيات التي وضعتها الندوة.

إن الندوة

وقد ناقشت الندوة وأقرت خطة عمل أعدتها اللجنة الاستشارية للتخطيط والمتابعة. وحددت هذه الخطة ثلاثة أهداف طويلة الأجل هي: (1) إنشاء متحف تحت الماء،(2) إعداد وتنفيذ سياسة للإدارة المتكاملة، (3) تشجيع السياحة. وحددت الخطة الأهداف المباشرة التالية:

وتضمنت خطة العمل تدابير يتعين اتخاذها في كل من الأجل القصير والمتوسط والطويل. ففي الأجل القصير (سنة واحدة) ينبغي القيام بما يلي:

وفي الأجل المتوسطة (سنتان) ينبغي القيام بما يلي:

وفي الأجل الطويل (سنتان فأكثر)، ينبغي القيام بما يلي:

مكتبة الاسكندرية والتطورات الأخرى

أصبحت مكتبة الاسكندرية، التي افتتحت في أكتوبر/تشرين الأول 2002، من المعالم البارزة للميناء الشرقي، وهي تمثل جهدا ضخما لإحياء التراث الثقافي الذي جسدته مكتبة الاسكندرية القديمة. وتشكل المكتبة إلى جانب الميناء الشرقي، كلاً متكاملاً يعزز ضرورة اتباع نهج يقوم على لإدارة المتكاملة لتراث الاسكندرية الساحلي.

وتنهض المكتبة في مواجهة شبه الجزيرة الصغيرة المعروفة باسم السلسلة على الجانب الشرقي للميناء الشرقي. ومن أكثر التطورات إثارة أن الآمال قد انتعشت في أن يتسنى عما قريب مباشرة البحوث الأثرية في هذه المنطقة. فشبه جزيرة السلسلة، التي كانت تعرف في الماضي باسم رأس لوخياس، هي الموقع الذي قامت فوقه القصور الملكية أثناء العصور البطلمية. واستجابة لنداء وجهته جمعية الآثار بالاسكندرية، اُتفق على أن يسمح للمجلس الأعلى للآثار؛ أن يجري بحوثا أثرية في هذا الموقع الذي تحتله الآن وحدة عسكرية. فذلك الموقع له أهميته المحتملة لمكتبة الاسكندرية والخطط الرامية إلى إقامة متحف تحت الماء.

ومن جهة أخرى، فإن الأنشطة المتصلة بالتنقيب عن المواقع الأثرية المغمورة بالمياه تواصل إحراز التقدم على عدة جبهات. فمنذ عقد الندوة التي نظمت في عام 1997، تمّ إنتاج بحوث وكتب ثقافية مصورة وأفلام تلفزيونية. واستمرت الاستقصاءات الأثرية، إلى جانب الجهود المختبرية لصون القطع المعدنية وغيرها من القطع الأثرية التي اكتشفت تحت الماء. وكانت مظاهر التقدم هذه موضع تقرير عُرض على الندوة التي عُقدت في عام 1999 (درويش، وآخرون 1999، بحث غير منشور).

وأخذ الفريق المصري يقسم الآثار المغمورة بالمياه التابع للمجلس الأعلى للآثار يشارك بقدر أكبر في بعثات التنقيب المشتركة العاملة في مياه الاسكندرية، كما يعكف بنشاط على تنفيذ برنامجه المستقل. وواصل اومبرور وفريقه جهودهم في توثيق موقع فاروس. وتمّ تسجيل كل قطعة من القطع التي تمّ العثور عليها، والتي يزيد عددها على 2000 قطعة، في بطاقة خاصة تتضمن كل المعلومات المتاحة عنها والمداخل الرئيسية التي يمكن تصنيفها فيها ، وأُدرج كل ذلك في نظام للمعلومات الجغرافية. وأعدت خطط تفصيلية للموقع. واستعان فريق غوديو بالبيانات الجيوفيزيائية والأثرية في استكمال خريطة جديدة للميناء الشرقي تبين منحنيات مناسيب الأراضي المغمورة بالمياه ومنشآت الميناء (Contours). وتشهد الخريطة التوضيحية للحي الملكي، بما يضمه من صروح وموانئ وأحواض سفن في رأس لوخياس، على المشهد المهيب للميناء الشرقي القديم وماضيه المجيد. واختتمت البعثة اليونانية التي يقودها هاري تسالاس في عام 2003 مسحها العاشر لمياه شرقي السلسلة واكتشفت العديد من العناصر الأثرية لموقع رأس لوخياس المغمور بما فيها الجزء العلوي من عمود مزخرف.