1 المقدمة
|
|
لقد أدت الكشوف الأثرية الحديثة العهد في ميناء الاسكندرية القديم وحوله إلى إحياء الاهتمام بتراث هذه المدينة. وفي الوقت ذاته، يثير التطور الحضري والساحلي السريع لمدينة الاسكندرية الحديثة عدة قضايا هامة فيما يتعلق بإدارة المنطق الساحلية، وهي قضايا يتعين معالجتها من أجل تأمين التطور المتناسق للأنشطة البشرية بالإضافة إلى حماية بقايا المدينة القديمة المغمورة بالمياه.
وكانت المدينة قد أنشئت على مرتفع من الحجر الجيري يفصل البحر المتوسط عن بحيرة مريوط. ولكن في السنوات المائة والعشرين الأخيرة، توسع حجم الاسكندرية بمقدار خمس وعشرين مرة وأصبحت المدينة تشمل الآن كل الأراضي الواقعة بين البحيرة والبحر. ويبلغ عدد سكان الاسكندرية نحو أربعة ملايين نسمة، ويرتفع هذا العدد إلى خمسة ملايين في الصيف. وتعتبر الاسكندرية الميناء البحري الرئيسي لمصر ، وهي أيضا مركز صناعي هام إذ توفر 40% من الإنتاج الصناعي للبلاد.
وقد اضطلعت العوامل الجيولوجية بدور هام في تاريخ الاسكندرية وفي العصور السابقة على ذلك التاريخ. وكان للتغيرات النسبية في مستوى سطح البحر، نتيجة لهبوط قشرة الأرض ولارتفاع منسوب سطح البحر على المستوى العالمي، تأثير ملموس في هذا الصدد. فالآثار الرومانية والاغريقية المغمورة في الميناء الشرقي وخليج أبو قير، والتي يرجع تاريخها إلى 500 سنة قبل الميلاد،ترقد الآن على عمق يتراوح ما بين مترين و 5.5 متر تحت سطح البحر. وبالإضافة إلى ذلك تعرضت الاسكندرية أثناء العصور التاريخية المختلفة لزلازل قوية أدّت إلى تدمير منارة فاروس تدميرا كاملا. وعلاقة الاسكندرية الهامة بالبحر كانت أمراً واضحاً منذ زمن بعيد كما يتجلى ذلك في كتابات قديمة، وقد تجدد الاهتمام في الآونة الأخيرة بالتنقيب عن البقايا الأثرية لهذا التاريخ. بيد أن الآثار المادية المتبقية من تراث الاسكندرية، والتي ما فتئت تتهددها قوى الطبيعة، أصبحت تتهددها الآن أيضا عمليات التنمية الواسعة التي يقوم بها الإنسان.
وظلت قلعة قايتباي منذ القرن الخامس عشر تحمي الذراع الخارجي من ميناء الاسكندرية الشرقي. وهي الآن من المعالم الوطنية الهامة. وفي أوائل التسعينات، ساور المجلس الأعلى للآثار، وهو الهيئة المسؤولة عن القلعة، القلق إزاء التحات الذي ما برح ينحر محيطها الشمالي الشرقي، فقرر في سنة 1991 تكليف هيئة حماية السواحل باتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لحماية القلعة من التعرض لأضرار إضافية ناجمة عن تأثير الأمواج.
وبدأ تنفيذ هذا المشروع في عام 1993، فألقيت 180 كتلة خرسانية - وزن كل منها عدة أطنان - في البحر على بعد 30 مترا داخل البحر قبالة القلعة. ولاحظ فريق من الغواصين كانوا يصوّرون أحد الأفلام أن هذه الكتل الخرسانية كانت تهبط إلى أن ترتكز على آثار مدفونة جزئياً في قاع البحر. وتم وقف إلقاء هذه الكتل. وكانت الآثار المحجوبة تحت الأمواج والمغطاة بالرواسب هي آثار منارة الاسكندرية القديمة، وهي منارة فاروس التي كانت إحدى عجائب الدنيا السبع. ومن المفارقات أن قلعة الاسكندرية، التي يرجع تاريخها إلى القرن الخامس عشر، كان يجري حمايتها على حساب آثار المنارة البطلمية، التي يرجع تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد والتي كانت تنهض ذات يوم شامخة مكان القلعة.
وأدركت جامعة الاسكندرية والمجلس الأعلى للآثار المصرية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أن هناك حاجة إلى اتباع نهج شامل في هذا المجال يكفل إدارة حضرية متكاملة ويراعي تأثير صرف مياه مجاري المدينة على هذا الموقع الأثري وهذا التراث التاريخي الفريد من نوعه، وبالتالي، فقد اشتركت هذه الهيئات معاً في تنظيم ندوة دولية للآثار المغمورة وإدارة البيئة الساحلية، في أبريل/نيسان 1997. وفي هذه الندوة، عرض المؤرخون قصة الاسكندرية منذ تأسيسها في سنة 331 قبل الميلاد حتى اليوم. وبيّن علماء الآثار التحديات التي تواجه علم الآثار المغمورة بالمياه والتقنيات التي يجري اعتمادها في هذا الفرع العلمي السريع التطور. وأوضح علماء الجيولوجيا وعلوم المحيطات كيفية تأثر المواقع الأثرية الساحلية بالعمليات الديناميكية الساحلية، كالتيارات والترسيب والأمواج. ونوقش الخطر الذي يحدق بتراث الاسكندرية المغمور بالمياه نتيجة تأثير مياه الصرف الصحي الحمضية للمدينة، وكذلك الحاجة إلى وضع تشريعات محددة خاصة بالمواقع المغمورة بالمياه.
وقد نشرت بالفعل بعض البحوث التي قدمت إلى الندوة الدولية للآثار المغمورة وإدارة البيئة الساحلية (مصطفى وآخرون، عام 2000). أما هذا المطبوع، فيتضمن عرضا للمناقشات التي دارت في الندوة الدولية، وللنتائج التي انتهت إليها، فضلا عن وصف لأنشطة متابعة عديدة. ويتضمن الفصل الثاني وصفا لتاريخ الاسكندرية، بينما يتضمن الفصل الثالث نبذات عن البحوث التي عرضت في الندوة الدولية، إضافة إلى التوصيات التي توصلت إليها والإعلان الذي صدر عنها. ويقدم هذان الفصلان معاً صورة عن الوضع الراهن لمدينة الاسكندرية ومواقعها الأثرية ويبيّنان إلى حد ما كيف يمكن للمدينة الحديثة أن تتعلم العيش في وئام مع ماضيها. ومن الواضح أن الاسكندرية بحاجة إلى إستراتيجية للإدارة المتكاملة تسمح لها بالنمو والانخراط في عملية التحديث، مع صون تراثها الأثرى والثقافي والاستفادة منه في الوقت ذاته. ويصف الفصل الرابع أنشطة المتابعة التي تم الاضطلاع بها منذ تنظيم الندوة في عام 1997. وتتضمن هذه الأنشطة إصدار مرسوم ينص على إنشاء لجنة استشارية، وتنظيم مشاورات ومناقشات علمية، وإجراء مزيد من الاستقصاءات، وتنظيم ندوة ثانية. ويُناقش الفصل الخامس ضرورة الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية، والمراحل المقبلة للمبادرة.