اليونسكو تنظّم المشاورة الإقليمية حول "أخلاقيات البحث العلمي وتطبيقات التكنولوجيا في المنطقة العربية"

نظّم مكتب اليونسكو الإقليمي للعلوم في الدول العربية ومقرّه القاهرة ومكتب اليونسكو في بيروت، بالتعاون مع المجلس الوطني اللبناني للبحوث العلمية واللجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو ولجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعية لغرب آسيا وأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، مشورة إقليمية حول "أخلاقيات البحث العلمي وتطبيقات التكنولوجيا في المنطقة العربية"، وذلك في 11-12 تموز 2017، في فندق البريستول في بيروت.

منذ بضعة سنوات، أبدت الدول العربية اهتمامًا ملحوظًا بقضايا الأخلاقيات في البحث العلمي. فالتقدّم العلمي والتكنولوجي غالباً ما ينتج آثاراً مجتمعية على الإنسان ومحيطه تثير معضلات أخلاقية. ومن هذا المنطلق، تنبع الحاجة إلى استراتيجيات وأدوات مبتكرة، قائمة على تعددية التخصصات والتنسيق بين أصحاب القرار على المستويات المؤسساتية والوطنية والإقليمية، لتعزيز التفكير والنقاش حول القضايا الأخلاقية في مجال العلوم والتكنولوجيا، وزيادة الوعي بين المتخصصين وعامة الناس، وتثقيف الباحثين، وضمان أن البحوث العلمية والتطبيقات التكنولوجية تحترم كرامة الإنسان وحريته.

وقامت الدول العربية بإنشاء لجان وطنية للأخلاقيات، ووضع معايير وطنية وقوانين في هذا المجال. ففي العام 2016، أعدّ المجلس الوطني للبحوث العلمية شرعة المبادئ الأخلاقية للبحث العلمي في لبنان من خلال "اللجنة الوطنية لليونسكو" وبالتنسيق مع "اللجنة الإستشارية الوطنية اللبنانية لأخلاقيات علوم الحياة والصحة" وبالتعاون مع المؤسسات العلمية والجامعية المعنية بالبحوث في لبنان. وتشكّل الشرعة دليلاً يرشد المؤسسات لوضع الأنظمة الملائمة لتطبيقها، بهدف ضمان شفافية ومصداقية الجامعيين والعلميين وتعزيز مسيرة البحوث والإبتكار وخدمة المجتمع. في مصر، وبمبادرة رئاسية، يتمّ العمل على إنشاء لجنة وطنية تحت مظلة أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ، لمتابعة المسائل الأخلاقية ومن بينها المسائل المتعلقة بالبيئة التي قد تنتج عن المشاريع التنموية واسعة النطاق، كمشاريع تطوير قناة السويس وتنمية شبه جزيرة السيناء وغيرها من المشاريع الكبرى. كما قام المجلس العربي للعلوم الإجتماعية بإعداد دليل إرشادي حول أخلاقيات البحث في مجال العلوم الإجتماعية.

في هذا السياق، نظّمت اليونسكو المشورة الأقليمية في بيروت، بهدف تسليط الضوء على عدد من التجارب الوطنية من المنطقة العربية حيث تمّ تطوير أدوات وتطبيقها لتعزيز الأخلاقيات في البحث العلمي وتطبيقات التكنولوجيا، والتعلم من هذه التجارب؛ كما هدف الاجتماع إلى مناقشة القواسم المشتركة بين التجارب الوطنية ودراسة ‏إمكانية تبني مقاربة إقليمية (مثلاً ميثاق إقليمي) يمكن اعتمادها من قبل البلدان العربية والمؤسسات في المنطقة.

عُقد اللقاء برعاية وحضور وزير التربية والتعليم العالي في لبنان الأستاذ مروان حماده، و بمشاركة سموّ الأميرة الأردنية سميّة بنت الحسن، رئيسة الجمعية العلمية الملكية، و حضر اللقاء نحو 50 خبيراً من 10 دولة عربية مشاركة منهم ممثلون رفيعو المستوى لجامعات ومؤسسات ومجالس البحوث في المنطقة. اتّفق المشاركون على أهمية تطوير شرعة إقليمية عربية لأخلاقيات البحث العلمي من أجل النهوض بأنشطة البحوث في المنطقة، وسوف تعمل اليونسكو بالتعاون مع الشركاء الإقليميين سعياً لتحقيق هذا الهدف.

الجلسة الافتتاحية

في الجلسة الافتتاحية كانت كلمة للوزير حماده الذي قال: " اليوم نجتمع في هذه الندوة الإقليمية في حضور خبراء وأصدقاء من أجل تبادل الخبرة واكتساب المشورة الصالحة من أجل تعزيز الأخلاقيات في البحوث العلمية في المنطقة العربية، ولا سيما أننا في لبنان قد بدأنا ورشة كبرى لتطوير مناهجنا التربوية وتحديثها، ويقيني أن توصيات هذه الورشة ستشكل مادة نرفعها إلى اللجان المكلفة تطوير المناهج للإفادة منها وإدخالها في صلب المواد وفي الأنشطة، من أجل ترسيخ هذه المبادئ الشفافة في سلوكيات الأجيال الطالعة لتصبح في صلب الحياة اليومية للمواطنين". و أردف: "إن هذه الندوة ستضع بين أيدينا كدول مشاركة وكمؤسسات دولية وجهات إقليمية أدوات من أجل معرفة طريقة تقويم أخلاقيات البحث العلمي وسلامته في المنطقة العربية، وبالتالي فإن هذه الندوة ستشكل منصة علمية تستقي منها الجامعات البحثية ومؤسسات التعليم العالي والأقسام البحثية فيها دليلا استرشاديا شرعة اخلاقيات البحث العملي، من أجل خدمة المجتمع وإعلاء شأن الإنسان فيه عبر الإرتقاء بالبحوث العلمية وتعزيز مسيرة الإبتكار والإبداع. إنها مناسبة علمية إنسانية وأخلاقية بامتياز، نلتقي في خلالها حول أهداف راقية تتعلق بالإنسان في المنطقة العربية المتألمة والمدمرة والضائعة بين مصالح الكبار. نلتقي وكأننا نقفز في الزمان نحو المستقبل لكي نتخطى الأزمات الإنسانية والإقتصادية والسياسية والبنيوية، فنضع المعايير والشرعة التي ترتفع بالإنسان في المنطقة العربية نحو مصاف المثل والأخلاقيات، ونرسم له سياسيات مستنيرة تليق به فعلا بعدما حطمت أحلامه المصالح والمؤامرات والعقول المتخلفة".

ثم كانت كلمة للدكتور هنري العويط، رئيس اللجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو قال فيها: "لا تخفى عليكم قيمة المبادرة التي قام بها الداعون إلى هذا اللقاء ومنظموه، وهي مستمدة من العناصر الثلاثة الرئيسة، البارزة في عنوانه، والمتمثلة أولا في موضوعه الذي يتناول الجوانب المختلفة لمسألة أخلاقيات البحث العلمي وتطبيقات التكنولوجيا، البالغة الأهمية، وفي ما يتسم به ثانيا من طابع تشاوري يجسد ثقافة الشراكة والتعاون التي ننادي بها، وفي تركيزه ثالثا على البعد الإقليمي الذي يتأسس على التجارب الوطنية المحلية ولكنه يطمح إلى تجاوزها إلى المدى العربي الأرحب". وأضاف: "تبين التقارير الدورية المختصة، وفي طليعتها "تقرير اليونسكو للعلوم حتى العام 2030"، أننا في هذه المنطقة من العالم بأمس الحاجة إلى تعزيز البحث العلمي والسعي الدؤوب إلى نشر نتائجه في أرقى المجلات المحكمة، وإلى تحفيز الباحثين على نيل المزيد من براءات الاختراع، والعمل الحثيث على اقترانها بالتطبيقات التكنولوجية المنتجة والمفيدة، بما يلبي حاجات دولنا ومجتمعاتنا ومواطنينا، ويستجيب لمتطلبات التنمية الشاملة والمستدامة. وتؤكد هذه التقارير أيضا أن الأبحاث العلمية الرصينة وتطبيقاتها ترتب على أصحابها، سواء أكانوا أفرادا أم فرقا أم مراكز أم مؤسسات، مسؤوليات أخلاقية جساما. ونحن مدينون لهذه المشاورة التي جمعتنا بأنها ستذكرنا بالمبادئ والقيم التي يتعين علينا أن نسترشد بها، وبالمعايير الأخلاقية التي علينا أن نتقيد بها، وفي رأسها مبادئ الحياد والموضوعية والنزاهة العلمية، بهدف ضمان شفافية الباحثين وصدقيتهم، والحد من آفة التزوير والسرقات، وبهدف توظيف أبحاثهم في خدمة الخير العام، وتجنب محاذيرها وانعكاساتها السلبية؛ فالعلم، كما تعرفون، سيف ذو حدين".

و تحدّث الدكتور معين حمزه، رئيس المجلس الوطني اللبناني للبحوث العلمية، الذي رأى أن "للعلميين دورا مركزيا في إحداث التغيير، فالمنعطفات الكبيرة في تاريخ البشرية كانت نتاج دور العلماء ونجاح التواصل والتعاون في ما بينهم . وقال: "العلم مهما بدا مجردا لا يمكن أن يجرد من أبعاده الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، كما أن جودة البحث العلمي وصدقية الباحث وأمانته العلمية هي مؤشر النجاح الحقيقي، وهي ما يبقي ذكر العالم وأثره، وأما الزيف فيذهب هباء". وأردف: "بالرغم من استفحال مآسي المجتمع العربي وإنشغالنا عن مواكبة التطور التكنولوجي والثورة المعرفية بالحروب العبثية المدمرة، فإننا نرى أن تجاوز هذه الأزمة لا يمكن أن يتم إلا بالحوكمة الرشيدة وتبني المنطق العلمي في العلاقات الانسانية والاعتماد على العلوم والتكنولوجيا لتحقيق الأمن الاجتماعي. " كما ذكّر الدكتور حمزه بالشرعة اللبنانية لأخلاقيات البحث العلمي التي تناولت "المبادئ الواجب اعتمادها في أخلاقيات البحوث الطبية والجينية، وبحوث العلوم الانسانية والاجتماعية، بما فيها الدراسات التي تتناول الفئات الاجتماعية أو الدينية أو العرقية، ووجوب احترام تراثها وتقاليدها ومعتقداتها وقيمها الخاصة. كما أكدت مسؤولية المؤسسات الراعية للبحث، لجهة اعتمادها نظاما خاصا بها لتطبيق مبادئها، وتشكيل لجان داخلية للأخلاقيات، وتنظيم برامج تدريبية، وتدريس مقررات ملزمة لطلاب الماجستير والدكتوراه، والإعلان عن الأنظمة التي تسمح بالتعاطي مع حالات الغش وتضارب المصالح".

بعد ذلك تحدّث الدكتور فؤاد مراد، مدير مركز التكنولوجيا في لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعية لغرب آسيا، فأكد "ان هذا الاجتماع العملي والهام يسمح لاصحاب المصلحة في البحوث العلمية والابتكار التكنولوجي لالتقاط الانفاس في عصر التسارع اللامسبوق للتكنولوجيا المتدخلة والمتداخلة في كل نواحي حياتنا اليومية. لقد اتفق العالم على اهداف التنمية المستدامة وغاياتها للوصول الى حياة كريمة للانسان من خلال الاتفاق على الاجندة 2030، فكرامة الانسان هي المبتغى الاول والاخير، وتسخير التكنولوجيا والعلوم، واجب اخلاقي وحق للشعوب في الحصول على الخدمات السريعة والمعلومات الصحيحة والامن اللامشروط والمعرفة المفيدة والتنمية المستدامة والعمل اللائق".ولفت الى ان "اللجنة الفنية لمركز "الاسكوا" للتكنولوجيا في اجتماعها الاخير في ايار 2017 في بيروت أوصت بضرورة الاهتمام بحوكمة منظومة البحث العلمي والابتكار وارساء ثقافة تسخير العلوم والتكنولوجيا في السياسات الوطنية والخطط التنموية لدى كل الفاعلين في المنظومة الوطنية للابتكار ونقل التكنولوجيا".

 

في الختام، كانت كلمة للدكتور غيث فريز، رئيس مكتب اليونسكو الإقليمي للعلوم في الدول العربية ومقرّه القاهرة. قال فريز: "في ظل التحديات المقلقة التي تواجهها منطقتنا العربية، نحن بأشد الحاجة الى بحوث علمية متميزة وانشطة تطوير تكنولوجي وابتكارات تعالج التحديات المجتمعية، وتعود على المواطن العربي بمزيد من الرفاه. ان تحقيق اهداف التنمية المستدامة وخطة 2030 – والتي اعتبرت اجندة العلوم والمعرفة - لن يكون ممكنا في المنطقة ما لم نقم بتسخير القوى التحويلية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار، غير ان احصاءات اليونيسكو تبين فداحة وضع البحث العلمي وضعف منظومة العلم والتكنولوجيا والابتكار في الكثير من بلدان المنطقة، سواء من ناحية مدخلات هذه المنظومة او مخرجاتها". وأضاف: "ضمن هذا السياق، قد نتساءل: لماذا علينا كمنطقة عربية ان نتهم بأخلاقيات البحث العلمي والتكنولوجيا؟ اما الاجابة فتتعلق بسؤال ثان، هو اي بحثو نريد؟ وتابع: "نريد بحوثا تحترم القوانين وتراعي القيم والمبادئ الاجتماعية والعلمية، بحوث تصون الكرامة الانسانية والحريات وتحمي النظم البيئية في المنطقة. نريد بحوثا نزيهة ومسؤولة تحمي الاشخاص محل البحث من الاستغلال، بحوث تصون حقوق الانسان كافة، ومن هنا لا بد من وجود منظومة قيمة واخلاقية تأطر انشطة البحث العلمي والتطوير التكنولوجي ولا بد ايضا ان تتوافر المؤسسات الناظمة واليات المتابعة ليس لتعوق او تلجم انشطة البحث والتطوير التكنولوجي وانما لتضمن جودة نتائجها". ونوه ب"دور اليونسكو التي أدت دورا رائدا في تعزيز اخلاقيات العلم والتكنولوجيا على المستوى العالمي من خلال وضع المعايير القانونية الدولية وتأسيس مرصد الاخلاقيات العالمي، وانشاء مجموعة من الكراسي الجامعية المختصصة ودعم تأسيس لجان وطنية لاخلاقيات علم الاحياء، وتطوير برامج تعليم الاخلاقيات، ومن منجزات اليونيسكو ايضا دعم تأسيس ثلاثة مراكز اقليمية للتوثيق والمعلومات في مجال الاخلاقيات منها مركز يخدم المنطقة العربية وتستضيفه اكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر".

العودة إلى أعلى الصفحة