13.04.2010 -

جاكي لومارك: عميد ومبدع وصاحب نضال من هايتي

[Translate to arabic:] Jacky Lumarque Haitian university rector

نموذج جديد للتعليم خرج من تحت أنقاض جامعة كيسكويا الهايتية التي دُمرت بالكامل جراء زلزال الثاني عشر من كانون الثاني/يناير 2010، وقُتل فيها 17 طالباً وموظفاً.

         

وترتكز هذه المبادرة المتجذرة في المجتمع المحلي إلى التطوع والتضامن القائمين على المهارات، وتُنفذ تحت إشراف العميد جاكي لومارك المعروف بحيويته.  

وفيما يلي، نص المقابلة التي أجراها لومارك مع دورية "أخبار التربية" أثناء وجوده في اليونسكو للمشاركة في أعمال المنتدى الخاص بهايتي بتاريخ 24 آذار/مارس.  

أين كنت عندما وقع الزلزال؟  

كنت في متحف الحرم الجامعي بمناسبة حفل افتتاح معرض للفنان الهايتي الأميركي جان-ميشال باسكيا. وكان المتحف في الماضي مقر إقامة الرئيس ماغلوار، لكن الأقسام المتبقية من الحرم الجامعي بُنيت حديثاً. وخرجت إلى الحديقة النباتية قبل ثوانٍ من وقوع الزلزال. ودمرت الهزة الأرضية المباني القديمة والجديدة على حد سواء، بما في ذلك مقر إقامة الأساتذة. وتعالت بعد ذلك الصرخات، وكان الأساتذة والطلبة يركضون في كل الاتجاهات وهم مغطون بالغبار، وكان بعض الطلبة الآخرين يصرخون من تحت الأنقاض.  

ماذا كان رد فعلك؟  

حاولت أولاً إنقاذ الضحايا بمساعدة طالبين من الجامعة. لكن لم يكن لدينا المعدات اللازمة لإخراج الأشخاص العالقين تحت الركام. وكان التيار الكهربائي قد انقطع جراء الزلزال والهواتف تعطلت أيضاً. فمشيت 6 كيلومترات وصولاً إلى مركز الإذاعة المحلية، "سينيال أف أم"، ووجهت نداءً عبر أثير الإذاعة. وحضر حوالى 20 شاباً تلبيةً للنداء. ومع أنهم كانوا ينتمون إلى الطبقة الفقيرة ويعرفون بالكاد القراءة والكتابة، فإنهم كانوا مستعدين لبذل جهود هائلة من أجل إنقاذ طلبة أوفر حظاً منهم. وكان هؤلاء الشباب أبطالاً حقيقيين بالنسبة إلي.  

هل يمكنك أن تصف لنا الأيام القليلة التي عقبت الزلزال؟  

عمدنا إلى إطعام الأشخاص العالقين تحت الأنقاض لمدة ثلاثة أيام. وكنا نمرر لهم ما يحتاجونه من مأكل ومشرب وكنا نتحدث معهم بصورة متواصلة. وفارق بعضهم الحياة وفي قلبهم نوع من السكون لأنهم علموا أننا كنا نحاول إنقاذهم. وعندما لم يعد ثمة أمل في إيجاد المزيد من الأحياء، كان علينا أن ننتشل الجثث بطريقة أو بأخرى. وكنا أول مؤسسة تنتشل جميع القتلى فيها وتؤمن لهم تشييعاً لائقاً. وقمنا بتنظيم مراسم تشييع جماعية (للكتاب والفنانين) بمساعدة فرانكيتيان، وسنحيي ذكراهم في وقت لاحق من خلال نصب تذكاري في الحرم الجامعي.  

أما خارج الجامعة، فكانت الفوضى سيد الموقف. إذ كانت العائلات تعيش وتنام في الشوارع من دون أي تدابير لتنظيم الصرف الصحي أو التخلص من النفايات. وكان الوضع غير صحي، لا بل خطير. وعجزت المؤسسات الوطنية عن التعاطي مع كارثة بهذا الحجم. ولم تعلم الوكالات والمنظمات غير الحكومية الدولية من أين ينبغي لها أن تبدأ بعملها. ولم توضع أي آلية لتنسيق الأنشطة.  

كيف انطلقت مبادرة التطوع القائم على المهارات؟  

أعدت جامعة كيسكويا نظاماً للتطوع بعد مرور عشرة أيام على الزلزال. وفي بادئ الأمر، نظم طلبة كلية الطب أعمالهم داخل خيمة نُصبت في موقف السيارات. وعمل هؤلاء الطلبة تحت إشراف أساتذتهم في مرحلة أولية. وتولى مهمة الإشراف فيما بعد فريق من الأطباء السلوفاكيين الذين كانوا قد وصلوا إلى البلاد مع العديد من الأدوية والمعدات بحثاً عن مكان يعملون فيه. وأنشأ الطلبة في مرحلة لاحقة عيادة متنقلة. وتوافرت نقاط لتوزيع المياه العذبة. وتنقل طلبة كليتي الهندسة والدراسات البيئية في الشوارع وساعدوا الناس على تشكيل لجان بغية إدارة المخيمات المرتجلة والتعريف بأنشطة تقسيم المناطق والصرف الصحي وإدارة النفايات. لقد تحولت الجامعة إلى ماكينة تطوع هائلة!  

ونُصب فيما بعد إحدى عشرة خيمة إضافية. وخضع طلبة كلية التربية لدورة مكثفة بشأن الدعم النفسي الاجتماعي وطبقوا ما اكتسبوه بصورة شبه مباشرة في الشوارع. وانخرط هؤلاء الطلبة أيضاً في إدارة حلقات عمل للعلاج بالفن كُرست للأطفال خلال عطل نهاية الأسبوع. وكان كل من حلقات العمل هذه، التي نُظمت داخل الخيم، يضم 150 طفلاً بدفعة واحدة. وأذكر أنني قلت للطلبة في ذلك الحين: "بات الشارع جامعتكم".  

وكان الطلبة يجتمعون خلال عطلة نهاية الأسبوع مع أساتذتهم لإضفاء طابع نظامي على التعليم غير النظامي الذي كانوا يتلقونه خلال الأسبوع، أو لتحويل النظرية إلى ممارسة فعلية. ونعمل حالياً على نظام يقدّم لهؤلاء الطلبة مزايا أكاديمية لقاء النشاط الذي يقومون به. ولقد غيرت هذه المبادرة مفهوم التعليم بالنسبة إليهم وأدركوا أن التعليم العالي لا يسير باتجاه واحد بالضرورة، وأنه لا يقتصر على معلومات يحصلون عليها داخل حجرة مغلقة بمساعدة أستاذ يمتلك كل المعرفة. فمع مبادة التطوع، تُكتسب المعارف في الشوارع والأساتذة يواكبون الطلبة في هذه العملية. وما نقوم به هو نزع الطابع المؤسسي عن المعرفة.  

وهل تمكّن الطلبة من مواصلة دروسهم؟  

نعم. لقد زودنا إحدى الخيم بأجهزة الاتصال اللاسلكي وسميناها "الخيمة الرقمية". وجرت اجتماعات عن بعد بواسطة الفيديو مع جامعات شقيقة في مونتريال وباريس لمساعدة طلبة درجة الماجستير. وننظر حالياً في إمكانية تقديم حصص على الإنترنت لتمكين الطلبة الذين هم على وشك إنهاء دراساتهم من التخرج.  

وماذا ستكون الخطوة المقبلة؟  

كان من المفترض استهلال الدورة المقبلة في أواخر كانون الثاني/يناير مع طلبة جدد يتراوح عددهم بين 400 و500 طالب. لكنه تم توقيف عملية انتقاء الطلبة بسبب الزلزال. ونقترح اليوم استقبال جميع الطلبة وتزويدهم بحصة تأسيسية خاصة بالتعليم العام تمتد لخمسة عشر أسبوعاً، إلى جانب حصص قصيرة المدة تتلاءم واحتياجات الطلبة الذين فقدوا منازلهم جراء الزلزال. وستكون هذه الحصص متاحة أيضاً للطلبة العاديين وستشمل موضوعات الإدارة الأساسية والخدمات اللوجستية، والإسعافات الأولية، واتقاء المخاطر، وتنظيم المجتمع المحلي، وما إلى ذلك.  

ويتمثل التحدي الأبرز في تمكين الجامعة من معاودة التعليم على نحو مستدام، وذلك حتى قبل إزالة الأنقاض والبدء بإعادة تشييد مختلف مباني الجامعة. وأعتزم إنشاء نظام للرعاية يمكن للجهات المانحة من خلاله أن تدعم الطلبة بمقدار 200 دولار أمريكي شهرياً. وسيتيح هذا النظام تمويل التكاليف المعيشية الأساسية لهؤلاء الطلبة، بالتزامن مع مواصلتهم الأنشطة الطوعية. كما سيتيح تسديد تكاليف التعليم، مما سيساهم في تشغيل الجامعة ودفع أجور الموظفين. إننا بحاجة ماسة إلى هذه الرعاية لأن الجامعة تنتمي إلى القطاع الخاص ولا تحصل على أي تمويل من الدولة.  

بصفتك رئيس اللجنة الرئاسية للتربية في هايتي، هل غيّر الزلزال نظرتك بشأن التدابير التي ينبغي اتخاذها لإعادة بناء النظام التعليمي في هايتي؟  

نعم، كلياً. ففي ضوء الدمار الذي لحق بالنظام التعليمي، أعدت صياغة الاقتراحات الخاصة بعهد التربية الوطنية لرفعها إلى الحكومة الهايتية. والمسألة لا تتعلق اليوم بـ"إعادة الطلبة إلى المدرسة" بقدر ما تتعلق بتمكين جميع الأطفال الهايتيين من الالتحاق بالمدرسة، بمن فيهم الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و11 عاماً والذين لم يكونوا مقيدين بالمدرسة قبل الزلزال، ونسبتهم 25%. وقمت باستشارة مجموعة واسعة من الأهالي والمعلمين والطلبة والمنظمات غير الحكومية المعنية بالتعليم بشأن هذا الموضوع. وتساوي ميزانية التعليم حالياً 9% من الناتج المحلي الإجمالي لهايتي. وأتمنى أن ترتفع هذه النسبة إلى 25% عام 2015، و30% عام 2025. ويتمثل الهدف النهائي في تمكين جميع الأطفال من الالتحاق بالمدرسة والانتفاع مجاناً بالتعليم والكتب المدرسية والمواد التعليمية وبوجبة ساخنة يومياً. ومن الضروري تسريع وتيرة إعداد المعلمين لإنجاز هذا العمل. ولا شك في أن هذه الاقتراحات طموحة. لكن لا يسعنا بعد الآن أن يكون لدينا نظام تعليمي يميز بين الأغنياء والفقراء.    




العودة إلى --> الأخبار
العودة إلى أعلى الصفحة