19.12.2013

أنغكور: إدارة النجاح

©اليونسكو/ ايريك ايسكيفل -
أنغكور

 تشكل معابد أنغكور الألفية بهندستها الرائعة، ونقوشها الاستثنائية النافرة أبدا، وأهميتها الروحية الثابتة، ونظام ريّها المعقّد، إحدى قصص نجاح اتفاقية التراث العالمي الأكثر إثارة للإعجاب.

  وجرى في أوائل التسعينيات إهمال هذا الموقع الذي يشكل رمزا للأمة بأسرها والذي تبلغ مساحته 400 كلم2. وفي حين واصل رجال الدين الصلاة في عدد كبير من المعابد في الموقع، كان أبناء القرى الذين أنهكهم الفقر يقومون بقطع أجزاء من جدران النُصب ويبيعونها لقاء مبالغ زهيدة. وكانت هذه الأجزاء تُباع بعد فترة من الزمن بأسعار باهظة في أسواق التحف الفنية الدولية.

© اليونسكو / جون فريتز -
أنغكور

ومنذ ذلك الحين، أصبح موقع أنغكور، الذي أُدرِج في قائمة التراث العالمي في عام 1992، يشكل قوّة دافعة للنمو الاقتصادي في كمبوديا، الأمر الذي أسهم في إبراز قوة الثقافة وأهميتها في تعزيز التنمية. وأصبح هذا الموقع أيضا موقعا رائدا في المحافظة على التراث بطريقة ابتكارية على الصعيد العالمي. ولا يمكن الاستهانة بالربح غير المادي الذي يحققه هذا الموقع لشعب كمبوديا الذي يشاهد تراثه يُرمَّم ويحظى بتقدير العالم بأسره، وبخاصة في ضوء العذاب الذي عاشه هذا الشعب خلال 25 عاما من النزاع.

والتهديدات التي تعرّض لها هذا الموقع في الأيام الأولى أفضت إلى إدراجه في قائمة المواقع المعرّضة للخطر على مدى 10 سنوات. وفي الوقت عينه، أنشأت السلطات الكمبودية بالتعاون مع اليونسكو والمجتمع الدولي لجنة التنسيق الدولية المختصة بصون وتنمية موقع أنغكور التاريخي التي أنشأت بدورها الهيئة الوطنية المعنية بحماية حديقة أنغكور الأثرية (الهيئة المعنية بحماية وإدارة موقع أنغكور وإقليم سيام ريب (APSARA. واتّخذت الهيئة إجراءات لمكافحة النهب، وقامت بأعمال ترميم طارئة، كما اتخذت إجراءات حماية طارئة.

وتكلّل هذا العمل، الذي أُنجز بالتعاون الوثيق مع اليونسكو، بالنجاح، الأمر الذي جعل من موقع أنغكور موقع تراث عالمي مقدَّسا يتوافد إليه المسافرون من جميع أنحاء العالم. ويُتوقَّع أن يستقطب هذا الموقع 4 ملايين سائح في عام 2014، وذلك مع نسبة نمو في عدد الزوّار بمعدل 25 في المائة كل عام.

© اليونسكو -
أعمال الترميم في انغكور

لكنّ آثار أقدام الحشود الغفيرة من الزوّار تتسبّب شيئا فشيئا بتحات درجات معبد أنغكور وات الشديدة الانحدار والمصنوعة من الحجر الرملي، علما بأنّ هذا المعبد هو الأكبر والأكثر شهرة في الموقع، وقد تسلّق درجاته في ما مضى الكهنة الذين كانوا يترأسون الاحتفالات الدينية. ويستخدم الزوار الكتل الحجرية التي غالبا ما تكون منحوتة بطريقة جميلة والتي تسقط من معابدلم تُرمَّم مثل بينغ ميليا بوصفها درجات حجرية للقيام بعمليات تسلّق مثيرة وخطيرة في بعض الأحيان. وعلى الرغم من أنّ هذه المسيرات المحفوفة بالمخاطر ممتعة، إلاّ أنها تُسرِّع تآكل الحجارة بفعل كثرة الاستخدام وتدمّرها أكثر ممّا قد تدمّرها قرون من الهجر والإهمال.

© جون فريتز -
أصبح موقع أنغكور، الذي أُدرِج في قائمة التراث العالمي في عام 1992، يشكل قوّة دافعة للنمو الاقتصادي في كمبوديا، الأمر الذي أسهم في إبراز قوة الثقافة وأهميتها في تعزيز التنمية.

وترافقت الزيادة في عدد السوّاح مع النمو في عدد السكان الذين يعيشون في حديقة أنغكور الأثرية. فارتفع عدد هؤلاء السكان من 22.000 نسمة في عام 1992 إلى 120.000 نسمة في عام 2010. وتعتبر السلطات الكمبودية واليونسكو أنّه يتعين إشراك هؤلاء السكان في تنمية الموقع وتزويدهم بحصة عادلة من المداخيل التي تولدّها السياحة. وفي الوقت الراهن، يجني المقيمون في الموقع معيشتهم من جمع الحطب، أو من زراعة الأرز، أو من العمل ضمن الهيئة الوطنية المعنية بحماية حديقة أنغكور الأثرية.  

وما فتئت سلطات الحديقة تعمل على تنفيذ عدة مشاريع تهدف إلى تعزيز التنمية المستدامة للقرى الواقعة ضمن الحديقة وعلى مقربة منها وذلك، بفضل المساعدة الدولية التي يوفرها عدد كبير من البلدان. والهيئة الوطنية المعنية بحماية حديقة أنغكور الأثرية، المصمِّمة على إشراك السكان المحليين في جميع مراحل التنمية ذات الصلة بموقع التراث العالمي هذا، قد وضعت آلية تشاور خاصة بكل مشروع بالتعاون مع لجنة توجيهية تشمل ممثّلين عن القطاع الخاص، وعن السكان المحليين، وعن رجال الدين البوذيين الناشطين للغاية في الموقع الذين واصلت بعض معابدهم نشاطها الديني على مرّ العصور.

إلاّ أنّ السكان المقيمين في أنغكور ليسوا وحدهم من يشكل ضغطا على هذا التراث العالمي. فقد أدّت الأموال المتأتية من السياحة أيضا إلى تحويل "سيام ريب"، وهي العاصمة الإقليمية المتاخمة للموقع التي كانت خاملة في ما مضى، إلى مدينة مزدهرة تضم فنادق جديدة جرى تشييدها بسرعة البرق، وعددا لا يحصى ولا يعدّ من النُزُل والمحلات والمقاهي والمطاعم الحديثة، وغيرها.

وهؤلاء الأشخاص جميعهم يستخدمون المياه، ولا سيما السوّاح الذين يستمتعون بالغطس في برك السباحة في الفنادق. وما يزيد الطين بلّة أنّ موسم السياحة يبلغ ذروته خلال أشهر الجفاف. فيتم بالتالي ضخ المياه من منسوب المياه الجوفية، وفي حين تنضب الخزانات الجوفية، تجفّ الرمال التي بُنيت عليها المعابد وتصبح غير مستقرّة. ولما كانت المعابد القديمة قد شُيّدَت من دون أسس تحت الأرض، فإن الجدران تنهار وتنهار معها أجزاء من الأبنية الأسطورية التي تجذب الزوّار والمستوطنين إلى الموقع.

© UNESCO
Restoration work at Angkor

وبالتالي لا تزال أعمال الصيانة والترميم مدرجة في جدول الأعمال، ولا يزال من الضروري تحديد تقنيات مرضية لتفادي تضرّر العدد الكبير من الإفريزات والنحوتات النافرة وغيرها من الزخارف التي تُسهم في إضفاء قيمة جمالية على الأبنية. وتتآكل هذه الأبنية وتفسد ألوانها بفعل التلوّث، وبراز الخفافيش، والمخرّبين الذين يشملون ليس فقط أولئك الذين يكسرون الزخارف لتحقيق المكاسب المالية، بل أيضا الزوّار الرُعن الذين يخدشون الجدران بحقائب ظهرهم.

وتشكل إدارة تدفّق السّواح أولوية قصوى بالنسبة للجنة التنسيق الدولية المختصة بصون وتنمية موقع أنغكور التاريخي التي احتفلت بعيدها الـ 20 في كانون الأول/ ديسمبر. إلاّ أنّ هيئة المحافظة على التراث النموذجية هذه التي ترأسها فرنسا واليابان والتي تضم مانحين وخبراء من جميع أنحاء العالم، مُصمّمة أيضا على مواصلة تعزيز أعمال الترميم والبحوث الأثرية في الموقع، وعلى تدريب الاختصاصيين في مجال المحافظة على التراث على الصعيد المحلي، وضمان إدراج التنمية المستدامة في الاستراتيجية المعتمدة للعقد القادم. 

وعلى الرغم من جميع الصعوبات التي تواجه أنغكور، فإنّ حيوية هذا الموقع تجعله نموذجا لإدارة موقع ضخم يجذب ملايين الزوّار ويحافظ على عدد كبير من السكان المحليين. والقدرة على تنفيذ مشروع هائل كهذا في بلد فقير نفض عنه مؤخرا غبار ربع قرن من الحرب وسفك الدماء، إنّما تشهد على الطاقات الكامنة الهائلة لاتفاقية التراث العالمي وللتضامن على الصعيد الدولي.

 



العودة إلى أعلى الصفحة