الثقافة في مرمى النيران – دار الحياة وسعورس (السعودية)
13.04.2012 - ديوان المديرة العامة

الثقافة في مرمى النيران – دار الحياة وسعورس (السعودية)

نشر في دار الحياة وفي سعورس في 13 نيسان/أبريل 2012

تقف الثقافة على الخط الأمامي في النزاعات التي يشهدها العالم. فقد استولت قوات الطوارق المتمردة على  المدينة التاريخية القديمة "تمبوكتو"، وأُطلقت القذائف النارية في محيط المسجد الكبير في هذه المدينة، وهو المسجد المندرج في قائمة مواقع التراث العالمي لليونسكو. وحدث ذلك عقب قذْف المدينة السورية الأثرية "أفاميا" بالقنابل. أما قلعة "المضيق" وسائر القرى العتيقة الواقعة شمال سوريا، وهي جميعها مندرجة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، فإنها معرضة للأضرار الجانبية. ومن ثم فعلينا أن نقوم بحمايتها.

قد يبدو من غير المناسب أن نشجب الجرائم التي تُرتكب ضد الثقافة وأن ندعو إلى حمايتها في وقت تسود فيه أوضاع سياسية غير مستقرة وأزمات إنسانية حادة، ولكن الأمر بخلاف ذلك.

إن حماية الثقافة إنما تمثل قضية أمنٍ. فلا يمكن تحقيق سلام دائم دون احترام للتراث الثقافي. والممارسات العدوانية التي تستهدف التراث الثقافي إنما تعتبر انتهاكاً لهوية المجتمعات ذاتها. ومثل هذه الممارسات إنما هي في واقع الأمر خطوة رمزية وحقيقية من شانها تصعيد النزاعات، مما يفضى إلى إحداث دمار يتعذر إصلاحه، إذ أن تداعياته تظل قائمة لفترة طويلة بعد أن تهدأ الأمور.

إن الممارسات العدوانية التي تُرتكب ضد الماضي تجعل من الصعب بمكان قيام المصالحة في المستقبل. وذلك لأن هذه الممارسات تعترض سبيل المجتمعات التي ترمي إلى تحقيق السلام في ما بينها.

ومن ثم فإن حماية التراث الثقافي لا يُعتبر البتة ضرباً من الترف. فليس من الممكن أن نؤجل القيام بذلك إلى وقت أفضل، أي عندما تهدأ التوترات. ومن أجل تمهيد السبيل لتحقيق السلام، يجب علينا منذ اللحظة أن نعمل على حماية الثقافة، في هذا الوقت الذي تزداد فيه حدة التوترات.

ولقد رأينا ما يمكن أن يحققه التراث العالمي في مجال الجمع بين المجتمعات المنقسمة في ما بينها وتعزيز التعاون الدولي في السياقات الصعبة.

وعلى سبيل المثال، فقد شاهدت ذلك بنفسي في جنوب شرق أوروبا عندما قدمت اليونسكو مساعدتها في إعادة تشييد جسر موستار القديم، الواقع في البوسنة والهرسك، والذي دُمّر أثناء الحرب التي اندلعت هناك في تسعينيات القرن الماضي.

وقد بدت قوة الثقافة أيضاَ أثناء عمليات ترميم مجموعة قبور "كوغوريو" في كوريا الشمالية، وهي العمليات التي تمت بدعم مالي قدمته كوريا الجنوبية.

أما في تونس ومصر وليبيا فإن المجتمعات هناك تعتمد اليوم على تراثها الألفي كي تأتلف فيما بينها وتوجه أنظارها نحو المستقبل. وفي هذه الفترة التي تتزايد فيها عوامل عدم اليقين وتقل فيها الموارد، فإن ذلك إنما يمثل أمراً من الأمور الثمينة التي لا يمكن لنا التغاضي عنها.

بيد أن ذلك ليس بالأمر اليسير. إن تحقيق النجاح في هذا المضمار يقتضي أن تتحد الأمم في ما بينها. وذلك لأن مفهوم التراث العالمي في ذاته يعتمد على فكرة المسؤولية الجماعية من أجل تحقيق الصالح العام. ولقد نشأت هذه الفكرة في مصر في مطلع ستينيات القرن الماضي عندما انطلقت الحملة الدولية الرامية إلى إنقاذ آثار النوبة ونقل معابد "أبو سمبل" وحمايتها من أخطار الغرق. وبعد مضي أقل من جيل بعد الدمار الذي أحدثته الحرب العالمية الثانية، قامت حملة للتضامن العالمي من أجل حماية الأحجار والتماثيل، وكذلك من أجل الحفاظ، من خلالها، على مفهوم الإنسانية المشتركة التي ننتمي إليها.

إننا نحتاج اليوم إلى قيادة تتسم بالطموح.

إن حماية التراث الثقافي للعالم إنما تخصنا جميعاً. فهذه الحماية تمثل دعامة قوية للتفاهم المتبادل ومصدراً للتنمية المحلية. وتُعتبر اليونسكو الحارس الأمين لهذه الفكرة الذي يحرص على تحقيقها. ونحن نحتفل هذا العام بذكرى مرور أربعين سنة على توقيع معاهدة التراث العالمي التي تجسد هذه الرؤية.

غير أن ذلك إنما يمثل عملية هشة لا يمكن البتة ضمان نتائجها. وذلك لأن بضعة قذائف فقط تكفي لتدمير موقع تراثي ألفي تدميراً نهائياً. ونحن نتذكر جميعاً تماثيل بوذا العملاقة في باميان بأفغانستان  التي دُمرت تدميراً كاملاً. كما أن ساعات قليلة من النهب والسلب تكفي لاختفاء قطع أثرية لا تُقدّر بثمن والاتجار غير المشروع بها.

ولهذا السبب تُذكّر اليونسكو جميع الدول بالمسؤولية التي تقع على عاتقها في ما يخص حماية الممتلكات الثقافية في حالة نشوب نزاعات وحظر الاتجار غير المشروع بالقطع الثقافية والتصدي له. ولهذا السبب أيضاً فإننا نعمل مع السلطات الوطنية والمنظمة العالمية للجمارك والإنتربول والمجلس الدولي للمتاحف، بالإضافة إلى دور المزادات العلنية، وذلك لحماية التراث الثقافي للإنسانية وحظر نهبه.

إننا نقوم بكل ذلك لأننا نعتقد أن الثقافة إنما تمثل أهمية بالنسبة إلى السلام. ومسؤولية حمايتها حمايتها تقع على عاتقنا.

 




العودة إلى --> الأخبار
العودة إلى أعلى الصفحة