حتى الدول العربية الغنية بالنفط تحتاج إلى الابتكار، حسب تقرير لليونسكو
08.11.2010 - الخدمات الإعلامية

حتى الدول العربية الغنية بالنفط تحتاج إلى الابتكار، حسب تقرير لليونسكو

كانت الدول العربية لقرون من الزمن مركزاً للابتكارات الرائدة في مجال العلوم. لكن في ظل ما تشهده أسعار النفط من تقلبات والتوقعات التي تفيد بأن الموارد النفطية ستُستنفد في يوم من الأيام، أدركت الدول المنتجة للنفط والبلدان التي تعتمد على الواردات النفطية مثل الأردن أنه سيتعين عليها الاستثمار في مجال الابتكار لضمان أمن البلاد من حيث الغذاء والمياه والطاقة، كما سيتعين عليها بناء اقتصاد مبني على المعرفة. إنها بعض النتائج التي وردت في تقرير اليونسكو عن العلوم لعام 2010 الذي تم تقديمه في مقر المنظمة بباريس في 10 تشرين الثاني/نوفمبر، بمناسبة اليوم العالمي للعلوم. ويقدّم هذا التقرير لمحة شاملة عن أنشطة البحث والتطوير في العالم، ويتضمن فصلاً يتناول الوضع القائم في الدول العربية.

ومع أن شعوب الدول العربية ترتبط بقواسم مشتركة في اللغة والتاريخ والدين، فإن المجتمعات العربية تتسم بأوجه تفاوت كبيرة من حيث الثروات الطبيعية والنظم الاقتصادية والاجتماعية. وتعتمد بعض بلدان المنطقة اعتماداً تاماً على النفط والغاز الطبيعي، لاسيما دول الخليج. وعلى الرغم من الثورة التي تتمتع بها الدول العربية، تفتقر هذه البلدان إلى قاعدة متينة في مجال العلوم والتكنولوجيا، كما أن أداء نظمها الخاصة بالتعليم العالي لا يزال ضعيفاً فيما يتعلق بتوليد المعارف. ويفيد تقرير اليونسكو بأن "المال السهل" المتأتي من العائدات النفطية هو بمثابة سيف ذي حدين بالنسبة إلى البلدان العربية. ففي حين ساعدت هذه الأموال على تنمية البنى الأساسية في المنطقة، بقيت التنمية القائمة على العلوم والتكنولوجيا مهمشة حتى الآونة الأخيرة. وفي المقابل، تُعتبر بلدان المنطقة من الدول التي تحتل المراتب الأولى في العالم من حيث الإنفاق على الدفاع. بيد أن التراجع المؤقت الذي شهدته أسعار النفط عام 2008 أتى بمثابة إنذار للبلدان العربية أعطى لمحة عما سيكون عليه المستقبل من دون عائدات نفطية وحفز الاهتمام بالعلوم والتكنولوجيا.  

وفيما يخص الدول العربية الأخرى التي يعيش فيها 70% من سكان المنطقة، ومنها الجزائر، ومصر، والعراق، والأردن، ولبنان، والجماهيرية العربية الليبية، وأراضي الحكم الذاتي الفلسطينية، وسوريا، وتونس، فإن احتياطها من النفط والغاز الطبيعي محدود، لكنها تتمتع بوجه عام بنظم متقدمة على مستوى التعليم العالي، كما أنها تضم بعض أقدم الجامعات في العالم العربي. وعلى سبيل المثال، لا تُعد مصر من البلدان الثرية في المنطقة، لكنها تُعتبر من الدول الرائدة على المستوى الإقليمي من حيث الموارد البشرية المختصة في العلوم والتكنولوجيا ومن حيث عدد الأوراق البحثية. أما المجموعة الثالثة من البلدان التي تشمل جزر القمر، وجيبوتي، وموريتانيا، والسودان، واليمن، فتتمتع بموارد طبيعية وبشرية محدودة جداً وتُعتبر من أقل البلدان نمواً في العالم.  

ويشير التقرير إلى أن مستوى الإنفاق المحلي الإجمالي على البحث والتطوير لا يزال متدنياً في البلدان العربية، وذلك منذ حوالى أربعة عقود، كما أنه لا يزال دون المعدل المتوسط على المستوى العالمي الذي يتراوح بين 0,1% و1,0% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي المقابل، تخصص البلدان التابعة لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي حوالى 2,2% من الناتج المحلي الإجمالي لأغراض البحث والتطوير. وعلى الرغم من هذا الواقع، ثمة إشارات تدل على أن المنطقة تسير باتجاه التغيير. ويفيد التقرير بأن "التعليم الأساسي لا يكفي لتوليد الثروات ومعالجة الشواغل المتعلقة بتأمين أمن البلدان من حيث الغذاء والمياه والطاقة، ولتحسين الخدمات الصحية والبنى الأساسية، وهو أمر يحتم تنمية الأنشطة العلمية".           

وفي مؤشر يدعو إلى التفاؤل، أُنشئ في السنوات الأخيرة عدد من الصناديق الوطنية المعنية بالعلوم والتكنولوجيا والابتكار، ومنها الصندوق الأوروبي المصري للابتكار الذي استُهل عام 2008 وصندوقان وطنيان هما مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في الإمارات العربية المتحدة (2007) وصندوق الشرق الأوسط للعلوم في الأردن (2009). ومن المزمع تقديم إستراتيجية للعلوم والتكنولوجيا تشمل كل بلدان المنطقة العربية خلال مؤتمر القمة العربية عام 2011 بغية اعتمادها رسمياً. ويُتوقع أن تقترح هذه الإستراتيجية مبادرات وطنية وعربية على حد سواء في حوالى 14 مجالاً ذا أولوية، بما في ذلك المياه، والغذاء، والزراعة، والطاقة.           

وفي عام 2006، أعلنت دولة قطر عن عزمها زيادة حصة الإنفاق المحلي الإجمالي على البحث والتطوير من الناتج المحلي الإجمالي إلى 2,8% في غضون خمس سنوات. ولا يزال الإنفاق المحلي الإجمالي في مصر يناهز 0,23% منذ عام 2007، بيد أن الحكومة تنوي زيادة هذه النسبة إلى 1,0% في غضون خمس سنوات أيضاً. وفي المقابل، يشهد الإنفاق المحلي الإجمالي على البحث والتطوير في تونس ارتفاعاً مطرداً منذ عام 2000، واحتلت هذه الدولة عام 2007 المرتبة الأولى بين الدول العربية من حيث كثافة أنشطة البحث والتطوير التي تجاوزت بقليل نسبة 1,0% من الناتج المحلي الإجمالي. وقررت تونس تخصيص 1,25% من الناتج المحلي الإجمالي لتمويل أنشطة البحث والتطوير بحلول عام 2009، مع الإشارة إلى أن الشركات التجارية ستتحمل 19% من هذا الإنفاق. إلى جانب ذلك، قامت المملكة العربية السعودية التي تحتل المرتبة الخامسة في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد باعتماد خطة وطنية للعلوم والتكنولوجيا عام 2003. ومع ذلك، كانت المملكة لا تزال في المرتبة ما قبل الأخيرة من حيث الإنفاق على البحث والتطوير المُعبّر عنه كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي عام 2007 (0,05%، وتليها البحرين مع 0,04%).  

وعلى الرغم من الجامعات المرموقة الموجودة في المنطقة العربية ومما حققته بلدان هذه المنطقة في الماضي من ابتكارات علمية أحدثت ثورة في المجال الفكري، فإن الدول العربية تعد ما لا يزيد على 373 باحثاً لكل مليون نسمة، علماً بأن العدد المتوسط على المستوى العالمي يبلغ 1081 باحثا. فضلاً عن ذلك، إن الكثير من العلميين المتأصلين من المنطقة العربية يعيشون في نصف الكرة الغربي ولا يسهمون بالتالي في النتاج المحلي الإجمالي لبلدانهم. وتجدر الإشارة إلى أن عالماً واحداً فقط من أصل أفضل 100 عالِم من حيث عدد الاقتباسات على المستوى العالمي ينتمي إلى المنطقة العربية، كما أن هذه المنطقة لا تعد سوى شخص واحد حائز على جائزة نوبل هو العالِم المصري الأصل أحمد زويل الذي نال جائزة نوبل للكيمياء عام 1999 عندما كان يعمل لدى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في الولايات المتحدة. وفي الفترة الممتدة من عام 1998 إلى عام 2010، حازت خمس نساء عربيات فقط على جائزة لوريال - اليونسكو السنوية للنساء في مجال العلوم في أفريقيا والدول العربية، وهُنّ الأستاذة المصرية رشيقة الريدي المختصة في علم المناعة (2010)، وعالمة الفيزياء المصرية كريمات السيد (2004)، وعالمة الفيزياء التونسية زهرة بن لخضر (2005)، وحبيبة بوحامد شعبوني (2007)، ولحاظ الغزالي من الإمارات العربية المتحدة التي حازت على الجائزة عام 2008 تقديراً للعمل الذي اضطلعت به في مجال الأمراض الوراثية.  

وما يزيد الأمور سوءاً، حسب التقرير، ارتفاع معدل البطالة في أوساط البحث والتطوير، وبخاصة في صفوف النساء الباحثات اللواتي يشكلن حوالى 35% من العدد الإجمالي للباحثين في الدول العربية، وذلك وفقاً لتقديرات صدرت عن معهد اليونسكو للإحصاء. إلى جانب ذلك، يشكل الأشخاص دون سن الخامسة عشرة أكثر من 30% من سكان الدول العربية. بيد أن ذلك يُعتبر أيضاً بمثابة سيف ذي حدين بالنسبة إلى صانعي القرارات في المنطقة العربية. ومع أنه يمكن للشباب أن يدفعوا عجلة النمو وأن يبنوا مجتمعات حيوية، وبخاصة إذا كانوا حاصلين على تعليم جيد ويتقاضون أجوراً ملائمةً، فإن عجز الحكومات العربية عن توسيع نطاق القدرات الإنتاجية اللازمة لخلق الوظائف قد يؤدي إلى خلل في النسيج الاجتماعي. وأفادت تقديرات البنك الدولي لعام 2007 بأن المنطقة ستضطر إلى استحداث أكثر من 100 مليون وظيفة بحلول عام 2020 لاستيعاب الشابات والشبان الوافدين إلى سوق العمل.  

وتم استهلال عدد من المبادرات لتعزيز العلوم والتكنولوجيا والابتكار في المنطقة، ومنها مركز سيزامي الدولي ذو المواصفات العالمية المختص في استخدام أشعة السنكروترون في الأردن، الذي يُتوقع تشغيله عام 2014 تحت رعاية اليونسكو، وكذلك الجهود الرامية إلى تنمية التكنولوجيا النانومترية والتكنولوجيا المتقدمة في بعض البلدان مثل المغرب، ومصر، والمملكة العربية السعودية. ولكن يضيف التقرير أن افتقار عدد كبير من الدول العربية حتى الآن إلى سياسات وطنية خاصة بالعلوم والتكنولوجيا والابتكار يرغم القطاع الخاص في الكثير من الأحيان على الاضطلاع بأنشطته في ظل فراغ على مستوى السياسات، وهي ظروف لا تُعتبر مواتية للابتكار. وفي عام 2006، أنتجت الدول العربية ما لا يزيد على 0,1% من العدد الإجمالي لبراءات الاختراع المسجلة في المكتب الأمريكي لبراءات الاختراع والعلامات التجارية وفي المكتبين الأوروبي والياباني لبراءات الاختراع. ومن الجدير بالذكر أن مجمعات العلوم التي أُنشئت حديثاً في البحرين ومصر والأردن والمغرب وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من شأنها أن تساعد على التصدي لمشكلة مزمنة أخرى تعاني منها المنطقة هي النقص في الروابط بين القطاعين العام والخاص في مجال البحث والتطوير.  

وتولى فريق من الخبراء الدوليين إعداد تقرير اليونسكو عن العلوم الذي يقدّم لمحة عامة عن الاتجاهات العالمية في مجال العلوم والتكنولوجيا استناداً إلى مجموعة واسعة من المؤشرات الكمية والنوعية. ويتألف التقرير من عدة فصول تتناول مناطق مختلفة، كما أنه يتضمن فقرات تسلط الضوء على بلدان محددة (البرازيل، وكندا، والصين، وكوبا، والهند، وإيران، واليابان، وجمهورية كوريا، والاتحاد الروسي، وتركيا، والولايات المتحدة). وصدرت التقارير السابقة التي أعدتها اليونسكو بشأن العلوم في الأعوام 1993، و1996، 1998 و2005.  

وفي توطئة التقرير، تشير المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوكوفا، إلى أنها "مقتنعة أكثر من أي وقت مضى بأن التعاون العلمي على المستويين الإقليمي والدولي يشكل عاملاً حاسماً في التصدي للتحديات المترابطة والمعقدة والمتزايدة التي نواجهها اليوم على المستوى العالمي". وستتخذ الدبلوماسية الدولية شيئاً فشيئاً شكل دبلوماسية علمية في السنوات المقبلة. وتضيف المديرة العامة أنه "يجب على اليونسكو أن تواصل - بل ستواصل - جهودها الرامية إلى تعزيز الشراكات الدولية والتعاون، وبخاصة التعاون فيما بين بلدان الجنوب. وكان هذا البعد العلمي للعلاقات الدبلوماسية أحد الأسباب الأساسية التي أدت إلى إضافة العلوم إلى المهام المسندة إلى اليونسكو. ويكتسي هذا الأمر أهمية محورية بالنسبة إلى المنظمة اليوم، ذلك لأننا نعيش في عصر تتمتع فيه العلوم بالقدرة على رسم ملامح مستقبل البشرية وفي عصر لم يعد فيه من المجدي التركيز على الاعتبارات الوطنية لصياغة السياسات العلمية".  




العودة إلى --> الأخبار
العودة إلى أعلى الصفحة