23.03.2010 - UNESCOPRESS

فرانكيتيان، صوت من تحت الأنقاض

© UNESCO/Mehdi Benchelah

الجميع في بورت-أو-برانس يعرفون ملامح هذا الفيلسوف المسن المتأصل من الكاريبي. وأضحى فرانكيتيان - واسمه الحقيقي فرانك اتيان - مع لحيته الكثيفة البيضاء وعينيه المتوهجتين بروح الدعابة، وجهاً مألوفاً في الجزيرة على مر السنين. ويُعتبر فرانكيتيان، الذي ولد عام 1936 في منطقة أربونيت وسط البلاد، أحد أكبر الفنانين الهايتيين على قيد الحياة. ووضع هذا الرسام والروائي والشاعر والكاتب المسرحي حوالى 30 كتاباً باللغة الفرنسية والكريول. وأنتج، خلال السنوات الخمسين الأخيرة، أعمالاً فنية متنوعة ومتعددة الأشكال أعاد من خلالها سرد الأساطير الكثيرة التي انبثقت منها روح الشعب الهايتي.

وفي إطار سياسة دعم الفنانين الهايتيين في أعقاب زلزال الثاني عشر من كانون الثاني/يناير، وجهت اليونسكو دعوة إلى فرانكيتيان للمشاركة في المنتدى المزمع عقده في مقر المنظمة بباريس، في 24 آذار/مارس، بغية وضع تصورات لإعادة بناء النسيج الاجتماعي والثقافي والفكري في هايتي. وسيشهد هذا المنتدى العرض الأول لأحدث مسرحيات فرانكيتيان بعنوان "الفخ" أو "ميلوفيفي"، التي كتبها في تشرين الثاني/نوفمبر 2009. وتتمحور هذه المسرحية، التي وصفها البعض بـ"رؤية تنبئية"، حول شخصيتين نجتا من كارثة فظيعة، ووجدتا نفسهما رهينة مساحة مغلقة تحت الأنقاض.

ويُشار إلى أن اليونسكو ستعين فرانكيتيان فناناً للسلام بتاريخ 24 آذار/مارس.

 

لقاء أجراه في بورت-أو-برانس مهدي بن شلاح، من مكتب إعلام الجمهور في اليونسكو.

— كيف أتتك فكرة هذه المسرحية التي تتناول، بصورة حدسية، كارثة الثاني عشر من كانون الثاني/يناير؟  

• حدث ذلك في تشرين الثاني/نوفمبر 2009، عندما أيقظني في أحد الليالي صوت غريب ومألوف على حد سواء، طلب مني أن أكتب مسرحية جديدة عن البيئة بسبب الأخطار التي تهدد الأرض.  

وليست المرة الأولى التي يحصل فيها هذا النوع من الاستبصار، إذ نجد هذا البعد الحدسي عند الكثير من الشعراء. لقد ولدت وترعرعت في بيئة ترتكز إلى القيم الروحانية وطقوس الفودو، وترك ذلك أثراً عميقاً بداخلي. ومع أنني لست من أتباع هذا المذهب، فإني أقر بأهميته في الثقافة الهايتية، ذلك لأن الفودو يشكل في الواقع صلب ثقافتنا.  

أضحت الأرض اليوم عرضةً للمخاطر بسبب عمل الإنسان. ويبدو أن البعد المادي يطغى على البعد الإنساني في هذه الحضارة المعاصرة. وينجم عن هذا الأمر أضرار لا تعد ولا تحصى، مثل انبعاث غازات الدفيئة التي تضعف طبقة الأوزون، وتؤدي إلى تآكلها وتراجع فعاليتها. والتصحر التدريجي والمثير للقلق الذي تتعرض له جزيرة هايتي هو أحد الآثار الأخرى لهذه الظاهرة.  

وبدأت بالتالي كتابة المسرحية انطلاقاً من الخوف الذي ولده بداخلي هذا الواقع المؤلم والمأساوي. واتخذت المسرحية على مر الأيام بعداً أو طابعاً شعرياً أعجبني كثيراً لأن الشعر هو ما يحرك مشاعري في نهاية المطاف. وتفوّق الشعر على الوجود المادي يتيح لي استخدام الصور المجازية للتعبير عما أسميه جمالية الفوضى والخراب والأحداث غير المتوقعة. ومن واقع الحياة أن معظم الظواهر التي نعيشها تحصل خارج إطار ما يمكن للعين أن تراه بفعل طابعها غير الملموس وغير المادي. وأعلم تماماً أن هذه الفكرة قد تزعج بعض من أنصار العقلانية، وهو أمر مؤسف، لأن الفكر العقلاني يقسّي القلب وينسينا جمال الحياة. ويقوم هذا النهج على مبدأ أن واحد زائد واحد يساوي اثنين، في حين أن هذه المعادلة تولد في الحقيقة خيارات لا متناهية.    

— كان من المفترض تقديم العرض الأول لمسرحيتك بتاريخ 29 كانون الثاني/يناير في بورت-أو-برانس، لكنه أُلغي جراء الزلزال. وسيجري العرض الأول في مقر اليونسكو بباريس في نهاية المطاف. هل تعتقد أن المسرحية ستُعرض في هايتي في يوم من الأيام؟  

• آمل ذلك، لكنني أعلم أن الوضع غير مؤاتٍ اليوم لعرض مسرحية من هذا النوع، كونها تحاكي عن كثب آلام الناس. ولا أدري ما إذا سيكون ذلك ممكناً بعد ثمانية أشهر أو سنة، عندما ستكون الجراح قد بدأت بالاندمال نسيباً. واستخدمت كلمة "نسبياً" لأنه لا يمكن للهايتيين أن ينسوا يوماً ما حصل.  

وليست المرة الأولى التي يشهد فيها العالم زلزالاً بهذه القوة. فهذه الظاهرة رائجة، لا بل طبيعية. وغالباً ما تُسجل زلازل في كاليفورنيا وشيلي واليابان. لكن من غير الطبيعي أن يودي زلزال ما بحياة حوالى 230000 شخص، نتيجةً لأخطاء اقترفها الإنسان. وحقيقة الأمر هي أننا لم نتعلم يوماً كيفية الاهتمام بالبيئة الهايتية. فبنينا الجزيرة بصورة اعتباطية، وتصرفنا بها بصورة اعتباطية.  

وعندما سيكون من الممكن عرض المسرحية في هايتي، في زمن بعيد نسبياً، أي بعد سنة على الأرجح، أتوقع أن أسمع صراخاً وبكاءً في الصالة. لكنه من أحد أدوار الفن أيضاً مساعدة الناس على التحرر من جراحهم.    

— هل تعتقد،  في هذا الصدد أن الثقافة ستتيح للشعب الهايتي تخطي آلامه، لاسيما الصدمة التي تلقاها في الثاني عشر من كانون الثاني/يناير؟  

• لطالما تمنيت ذلك وآمنت به. فالثروة الحقيقية لهايتي تتمثل في إبداعها المتواصل. بيد أن الظروف التي يعمل فيها الفنانون سيئة للغاية. فالحكومات المتعاقبة لم تعمد يوماً إلى رعاية شؤونهم، علماً بأن الإبداع هو الثروة الوحيدة التي تتميز بها الهوية الهايتية.  

ولا شك في أن الرسامين والحرفيين والموسيقيين والراقصين في هايتي يجسدون ثروة الجزيرة، وهي ثروة لا يمكن مسها لأنها موجودة في الخيال، في تلك الكاتدرائية المعروفة باسم العقل البشري.  

غير أن هذا الواقع لا يعني هايتي دون سواها. فالبشرية جمعاء لن تبلغ خلاصها إلا من خلال الثقافة والقيم الروحية في معناها الواسع، أي التربية المدنية والفكرية والفنية.    

— كيف تصف الروح الهايتية التي تستذكرونها دائماً في أعمالكم الفنية المتغيرة الشكل؟  

• إنها الإحساس المرهف إزاء القيم الروحية التي يغذيها الفودو، مهما كانت وجهة نظر بعض المسيحيين عن هذا الموضوع. وحتى الأشخاص الذين لا يمارسون طقوس الفودو يحملون بصمات هذا المذهب. وثمة أسلوب يتفرد به الهايتيون للتكلم وتناول الطعام وممارسة الحب والتواصل مع الآخرين. وهذا الأسلوب يغذيه الفودو، وهو متجذر في اللاوعي الجماعي للهايتيين الذي يحتفظ بجوهره العميق، على الرغم مما يشهده من تغيرات على مر السنين. ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الجوهر العميق يتسم في الأساس بطابع روحي.  




العودة إلى --> الأخبار
العودة إلى أعلى الصفحة