09.02.2010 -

غني العاني: الخط نهر يحمل روافد الفنون

© اليونسكو/ ميشيل رافاسارد -غني العاني -أحد الحائزين على جائزة اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية 2009.

غني العاني، أحد الحائزين على جائزة اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية 2009، يعتبر منحه الجائزة عرفانا بأن الخط فن قائم بذاته

فيما يلي لقاء معه:

"في البدء كانت بغداد"  هكذا يرى غني العاني مدينته، بل يرى دورها في تاريخ فن الخط العربي والإسلامي. إنه الدور الأصل، المحور والتي تفرعت منه المدارس الأخرى، الطرائق. وفي الوقت نفسه يسلم أن فن الخط العربي ترعرع ونضج في عدد كبير من عواصم الحضارة العربية-الإسلامية من الأندلس حتى بخارى وما بعد.  

"ولدت والقلم بيدي"، يقول، "لا أعرف، حقا، متى حاولت الخط للمرة الأولى. في الحي الذي ولدت ونشأت فيه كان هناك الكثير من القصب، الذي منه نشذب الأقلام". بدأ العمل منذ صغره. أول عمل له كان في بغداد في محطة سكك الحديد: "كنت أعمل نهارا في تنظيف عربات القطار، ومساء أذهب لأتابع دراستي. ويوم العطلة الأسبوعية، الجمعة، أدرس فن الخط وأمارسه".    

يحدثنا عن معلمه في الخط: "أستاذي بالخط اسمه هاشم محمد المعروف بالبغدادي هو وريث شيوخ خط مرموقين تصل أنسابهم إلى المدرسة العباسية قبل اثني عشر قرنا. تعرفت عليه في الثالثة عشرة من عمري. استغرقت في دراسة كتابة الحروف ثلاث سنوات، فإذا أكملت الجزء الأول، بدا لي الجزء الثاني أسهل لأن الحرف يقودك إلى الحرفين والحرفان إلى الكلمة والكلمة إلى الجملة..."  

يؤكد العاني أن أستاذه لم يكن يعلمه فقط كيف يعالج الحرف بالقلم بل كان يدفعه إلى إدراك العلاقة بين الكائن والحرف "لأن في الخط شيئا من الروح، أو قل إن في الخط روحا" وما قلم الخطاط إلا امتداد لجسده: "لم يكن الأستاذ يقول لي كيف على أن أشذب القلم وبأي حجم بل كان يلفت انتباهي إلى العلاقة ما بين الجسد والحرف حيث كان يقول: أيدي الإنسان تختلف وطوله يؤثر على حروفه لأن الحرف صورة للإنسان".  

"درست عليه كما ورث هذا الفن عن أسلافه بناة المدرسة البغدادية في الخط. وكللت تلك الجهود بالحصول على الإجازة التي لم يمنحها لغيري من التلاميذ على الرغم من كثرتهم. وحين يمنح الأستاذ الشهادة لتلميذه كان يمنحه أيضا حقَّ أن يزيِّل أعماله بتوقيعه. والشهادة هي ورقة "رسمية" فيها عرفان ببلوغ الحرفة عن حق وحقيقة". ويقرأ لنا ما تقول الشهادة وفيها: "... فلما تحقق لنا أن كاتب هذه الإجازة الجميلة قد أحاط بقواعد الخط العربي وفنونه وألم بجميع أنواعه وفروعه ووصل فيه درجة الإجادة التامة فقد أجزت له بوضع اسمه تحت كتاباته اللطيفة..."  

جاء إلى باريس قادما من بغداد سنة 1967 "لمتابعة الدراسات العليا بالقانون حيث حصلت على درجة الدكتوراه. وكنت أريد أن أجعل من الخط مجرد إشباع ميل وهوى في النفس وبحيث تكون مهنتي القانون." لكن الميل والهوى استعادا مكانهما الحقيقي وتحولا إلى حرفة. ورجل القانون ترك ثوبه لتصبح القصبة المشذبة قلما مهنته. "أذكر يوم حصلت على الإجازة بالقانون من كلية الحقوق قال لنا عميد الكلية الذي كان من كبار فلاسفة القانون، في حفل التخرج: "لقد أصبحتم اليوم مهيأين لدراسة القانون". بمعنى أنهم بالكلية أعطونا وسائل التفكير والبحث. والأستاذ هاشم البغدادي كان يقول لنا الأمر نفسه في شأن الخط. وإن اختلفت المفردات فالفكرة هي نفسها."

بعد دراسته القانون في بغداد درس الفن أيضا: "دخلت معهد الفنون الجميلة في بغداد بعدما أكملت دراسة الحقوق. لقد التحقت بمعهد الفنون نزولا عند رغبة معلمي هاشم البغدادي. وفي تلك السنة بالذات تم استقدام أستاذ كبير من تركيا في فن الزخرفة الإسلامية هو الأستاذ حامد الآمدي، فأفدت من خبرته الغنية فائدة كبيرة. وإنني أمارس الخط والزخرفة في آن. والمعروف أن قلة هم الذين جمعوا بين الزخرفة والخط في تاريخ الخط."  

"حاولت منذ البداية أن أتعرف إلى كنز الحرف والخط في حضارتنا العربية وتخليصه من الشوائب والأدران التي لحقت به مع الوقت. وحاولت انطلاقا مما رأيت وخبرت أن أعمل عبر بلورة فكرة الوحدة والاستمرارية. والخط بهذا المعنى أكثر بلاغة في التعبير عن الوحدة والاستمرارية وكأن الخط نهر يحمل روافد الفنون إلى البحر المحيط".  

وما رأيه في الفكرة القائلة إن فن الحرف ازدهر عند العرب لأن التصوير محرم؟ يجيب: "إنها فكرة خاطئة. بدليل أن هناك رسوما في الحضارة الإسلامية، كتركيا وإيران على سبيل المثال لا الحصر. ثم إن في الخط نفسه هناك تصاوير. ولعل الأصح في سبب ازدهار فن الخط عند العرب هو لأن الحضارة العربية حضارة كلمة، وذلك منذ الجاهلية، أي حتى ما قبل الإسلام، حيث كان الشعر الفن الأوحد والشاعر فخرا لقبيلته وأهله. وحيث هناك كلمة هناك خط..."    

وعن أصول الخط الشكلية يقول: "يرجع الخط إلى أصلين لا ثالث لهما: المستقيم والدائر. إن هاتين الصفتين متواجدتان في كل كتابات العالم، عبر كل العصور. منذ الكتابات التصويرية فالكتابات "الفكرية" وثم "الصوتية"، أي الأبجدية التي بنيت الكتابة المسمارية على شكلها أي على الشكل الأبجدي أو شكل المقاطع الصوتية. منذ اختراع الكتابة المسمارية كانت الخطوط بنوعي المستقيم والدائر. ولنا في كتابات وادي الرافدين شواهد وأمثلة كثيرة على ذلك. وعلى رأسها نص تشريع حمورابي، الذي تتميز حروفه باستقامتها خلافا لما كان يستعمله الناس فيما بينهم آنذاك".  

لك رأي خاص بالخط الكوفي: "لم أسم يوما الخط المستقيم بالخط الكوفي. لأن الذين أعطوه هذه التسمية وقعوا في خطأ كبير باعتبار أن كل خط مستقيم وذي زوايا هو خط كوفي. والحقيقة غير ذلك. فإن هذه الكتابة ترقى إلى أزمنة قبل نشوء الكوفة، إلى زمن قصائد المعلقات. أنا أسمي هذا الخط المزوى لا الكوفي، على الرغم من أن الكوفة حسنته فيما بعد واستعملته على نطاق واسع، سواء في المخطوطات أو في العمارة. وإلى جانب هذا الشكل، المزوى، ابتكرت المدرسة العباسية، وعاصمتها بغداد، نوعا مدورا بأساليب مختلفة منها الثلث والديواني والنسخي، وهذا الأخير كان الحرف الذي اعتمد للمطبعة".  

تتحدث عن قصائد المعلقات كشواهد على ذلك علما أن هناك من يشكك بوجود هذه المعلقات أصلا.  يجيب: "قد تجد من يشكك بوجود المعلقات ولكن وجود نصوص عربية مدونة بالحرف العربي قبل الإسلام أمر لا شك فيه. هناك نصوص وثائق ومعاهدات واتفاقيات موجودة محفورة فوق صفائح حجرية عثر عليها وتعود إلى ما قبل الإسلام وهناك محفورة فوق الصخر في بعض المواقع الثرية وأشهر هذه النصوص موجود في مدائن صالح*" في المملكة العربية السعودية.  

يعيش في باريس منذ أكثر من أربعين عاما كيف كان تفاعله مع الغرب؟ يقول: "أنا أعيش في أوروبا وكان تفاعلي مثمرا مع المجتمع الأوروبي أخذا وعطاء. علما أن هناك مفازة كبيرة بين الفكر العربي والفكر الغربي. إن الفكر العربي، كما قلت من قبل، هو فكر الكلمة أما الغرب ففكره قائم على الصورة. وإن كانت الكلمة تحتضن الصورة والمثل الأكثر تعبيرا عن ذلك هو الشعر، الذي هو "ديوان العرب" كما قال الأقدمون..."  

عن حصوله على جائزة اليونسكو/الشارقة للثقافة العربية يقول: "إن في هذا كثيرا من المعاني أولها أن لجنة دولية للتحكيم قدمت اعترافا صريحا بأن الخط فن قائم بذاته وهو من روح هذه الحضارة والهيكل العظمي لثقافتها. والمعنى الأهم لهذه الجائزة التي منحت لي اليوم كفنان عراقي هو في كونها تتيح للناس أن ترى وجها آخر للعراق، مختلفا عن صور التفجيرات والقنابل والدم المسفوك التي تملأ شاشات العالم".  

 بسام منصور  

* موقع مدرج على قائمة التراث العالمي




العودة إلى --> الأخبار
العودة إلى أعلى الصفحة