09.02.2010 -

"ترياق لصدام الحضارات"

أسست أنا بارزيميس أول دار للنشر مختصة في الحضارة العربية الإسلامية ببولندا. وبارزيميس هي من الذين لمسوا عن كثب تجربة التقارب بين الثقافات. وقد صدر عن دار "الحوار" للمؤلفات الأكاديمية التي تديرها بارزيميس أكثر من 200 كتاب لتعريف الجمهور البولندي بالجوانب المختلفة للعالم الإسلامي. وتقاسمت بارزيميس، مؤسسة دائرة "الإسلام في أوروبا" في جامعة وارسو، جائزة اليونسكو - الشارقة للثقافة العربية لعام 2009 مع فنان الخط العراقي غني العاني. وأتت هذه الجائزة بمثابة اعتراف بمساهمتها في التنمية، وفي نشر وتعزيز الثقافة العربية في شتى أنحاء العالم.

 

 

وفيما يلي، نص المقابلة التي أجرتها ياسمينة شوبوفا مع أنا بارزيميس.

تحملين الجنسية البولندية وولدت في بلغاريا. فمن أي أتى اهتمامك بالثقافة العربية؟  

في الستينات، وطدت بلدان أوروبا الشرقية علاقاتها بالدول العربية التي كانت قد نالت استقلالها للتو، مما ساهم في ولادة اهتمام حقيقي بالثقافة العربية لدى شعوب هذه الدول الأوروبية. وفي الكثير من الأحيان، عمد الخبراء والأطباء والجامعيون الذين تعاونوا مع الدول العربية، لدى عودتهم إلى بلادهم، إلى إصدار كتب أطلعتنا على هذه المناطق البعيدة. ولا شك في أن الطبعات المترجمة لمؤلفات نجيب محفوظ أو يوسف إدريس أو جمال الغيطاني أو غادة السمّان سحرت القراء. وفي تلك الفترة أيضاً، كان اهتمامي بالدين الإسلامي يزداد شيئاً فشيئاً. وأذكر أن الطبعة الأولى للقرآن الكريم باللغة البولندية، التي تولى ترجمتها البروفسور جوزف بيلاوسكي، مؤسس دائرة "الدراسات العربية والإسلامية" في جامعة وارسو، كانت بمثابة حدث ثقافي بارز، حتى أن الناس انتظروا لساعات أمام المكتبات لشرائها!  

‎جاءت هذه الظروف لتزيد من الفضول، الذي كان بداخلي، في صباي. وعليه، درست الفيلولوجيا (علم اللغة) الشرقية في صوفيا (بلغاريا) بين عامي 1958 و1962. وسافرت فيما بعد إلى تونس وأقمت فيها منذ عام 1962 حتى عام 1968، أولاً في سياق المنحة الدراسية التي كنت قد حصلت عليها، ومن بعدها بصفة مسؤولة عن الشؤون الثقافية في السفارة البولندية. وفي تلك الفترة بالذات أصبح لدي ولع حقيقي بلغة العالم العربي وثقافته. وبعدما حصلت على ماجستير في اللهجة العربية التونسية وأصدرت كتاباً عن هذا البلد، سافرت إلى الجزائر لإعداد أطروحة دكتوراه بشأن أسماء العائلات التركية الأصل. وناقشت هذه الأطروحة لدى عودتي إلى بولندا، قبل البدء بمسيرتي الجامعية في معهد الدراسات الشرقية بجامعة وارسو.  

أسست عام 1992 دار "الحوار" للنشر. ما الذي دفعك إلى القيام بهذه الخطوة؟  

عقب تغير النظام في بولندا، أقدمت شركات خاصة للنشر على شراء دور النشر التابعة للدولة. لكن هذه الشركات لم تكن تتمتع بالإمكانيات اللازمة لمواصلة الأنشطة السابقة، كما أنها غيرت سياستها التحريرية لتلبية التطلعات الجديدة للقراء الذين كانوا متعطشين لكل ما يمكن أن يحمله لهم "العالم الحر". ونتيجةً لذلك، بدأنا، أنا وزملائي، نواجه المزيد والمزيد من المصاعب لنشر أعمال البحث والتبسيط أو الترجمات التي أعددناها. وبعد قيامي بعدة خطوات للفت انتباه الناشرين إلى هذا الموضوع، لم أرَ سبيلاً لحل هذه المشكلة سوى تأسيس دار للنشر تتيح لنا مواصلة أنشطتنا. مع أنني انطلقت من الصفر تقريباً، استفدت من مساعدة زملائي، وخاصةً من مساعدة اليونسكو. إذ مولت المنظمة معداتنا الإلكترونية... التي كانت عبارة عن أربعة حواسيب! وقد تبدو هذه المساهمة ضئيلة اليوم. لكن في تلك الفترة، كانت الحواسيب نادرة جداً في بولندا. وبالتالي، كانت مبادرة اليونسكو هائلة!  

وأصدرنا حتى تاريخه أكثر من 200 كتاب عن الحضارة العربية الإسلامية، والعالم الإسلامي بوجه عام، لاسيما بفضل المنح التي قدمتها وزارة التربية الوطنية وجامعة وارسو.  

أسست في جامعة وارسو عام 1998 دائرة "الإسلام في أوروبا". كيف أتتك هذه الفكرة؟  

تلقيت بين عامي 1987 و1988 تدريباً دام ثمانية أشهر في مدينة إكس آن بروفانس الفرنسية. وكان قد مضى على آخر زيارة قمت بها إلى فرنسا أكثر من 10 أعوام. وفوجئت بالتحول الذي شهدته جالية المغربيين العرب مقارنةً بما رأيته في السبعينات، عندما كانت تضم بصورة أساسية عمالاً كانوا يبذلون قصارى جهدهم لعدم لفت الأنظار إليهم. ووجدت طبقةً مثقفةً يعمل أفرادها في الشركات، والإدارات العامة، والجامعات. ورأيت شابات متحررات يرتدن الجامعات ويحققن نجاحاً مهنياً. وشهدت أيضاً حياة ثقافية ودينية منظمة.  

وفي الوقت عينه، التمست ضيقاً ناجماً عن عدم إلمام الفرنسيين بالثقافة العربية الإسلامية، وعن عدم إلمام أو سوء فهم المغتربين للثقافة الفرنسية. وشعرت بأن أفكار هاتين الفئتين تقوم على قوالب نمطية مسبقة مر عليها الزمن. لذا، أردت معرفة المزيد عن وضع المغتربين وظروف المعيشة والعمل التي يختبرونها.  

وفي تلك الفترة، لم تكن أبواب بولندا مفتوحة أمام العمال المغتربين. وباستثناء الطلبة العرب، كانت الأغلبية الكبرى من المسلمين في بلدنا تنتمي إلى شعوب من أصل تتري تقيم في بولندا منذ 600 سنة. وكان هؤلاء يجيدون اللغة البولندية وتمكنوا من الاندماج جيداً في المجتمع. وكان من السهل الاعتقاد أن بولندا قد تصبح، عقب انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وجهةً للعمال المغتربين من أصل عربي. وتراءى لي أن معرفة تاريخ الإسلام في أوروبا والسياسات التي يعتمدها الغرب إزاء المغتربين المسلمين قد تساعدنا على تمهيد الطريق لهذا الواقع. وإلى جانب هذه الناحية العملية، اعتبرت أن دراسة تطور حركة الهجرة العربية الإسلامية في سياق التعددية الثقافية التي تتسم بها أوروبا اليوم ستساعدنا بالتأكيد على إثراء رؤيتنا للعالم. لذا، اقترحت لدى عودتي إلى وارسو إنشاء دائرة للبحوث المتعلقة بالمسلمين في أوروبا. وحصل المشروع بسرعة على موافقة رئيس جامعة وارسو، وكذلك على موافقة مجلس الأمناء فيها.  

ما فائدة هذا النوع من الدراسات بالنسبة إلى الطلبة البولنديين؟  

في الحقيقة، تخطت هذه الفائدة توقعاتي. ولا بد من الإقرار بأن الأحداث السياسية التي شهدها العالم مثل حرب الخليج، وهجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، والحرب في يوغوسلافيا السابقة، وأفغانستان، والعراق، والشرق الأوسط... ساعدت كلها على تعزيز الاهتمام بالدين الإسلامي والشعوب العربية. وبما أن الحصص الدراسية التي نوفرها ليست موجهة حصراً لطلبة كلية الدراسات الشرقية، غالباً ما تمتلئ مقاعد الصفوف بالكامل. ونشهد مشاركة فعالة من طلبة يدرسون في جامعات أخرى، فضلاً عن عدد من الصحفيين والموظفين الشباب في وزارة الشؤون الخارجية.  

ما هي الفكرة الرئيسية التي تدافعين عنها في كتاب الإسلام في وجه الإرهاب الذي صدر عام 2003؟  

يقدّم هذا الكتاب عرضاً لأسباب الإرهاب وتاريخه، ويهدف إلى شرح فكرة رئيسية مفادها أن جذور الإرهاب ليست مرتبطة بالدين الإسلامي، وأنه يجب التمييز بين الإرهاب والإسلام. ووضعت هذا الكتاب بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، في وقت كانت تتحول فيه الحرب التي شنها الرئيس الأسبق جورج بوش على الإرهاب، في أذهان البعض وعبر وسائل الإعلام، إلى حرب ضد الإسلام والمسلمين. وقدّمت في هذا الكتاب أيضاً عرضاً لجذور النزعة المعادية للولايات المتحدة الأميركية، التي تطورت في المجتمعات العربية.  

ماذا يعني لك مفهوم "التقارب بين الثقافات"؟  

المعرفة والفهم في المقام الأول، وأيضاً تقبّل التنوع الثقافي، وإقامة حوار بين الثقافات انطلاقاً من هذه القاعدة. وباختصار، إنه ترياق لمفهوم "صدام الحضارات" للكاتب صموئيل هنتنغتون الذي يعتبر أن صراع الحضارات واقع طبيعي لا بد منه.  




العودة إلى --> الأخبار
العودة إلى أعلى الصفحة