أهالي جنوب السودان من حقول الرعي إلى مقاعد الدراسة ليصبحوا مدرّبين في مجتمعهم
06.07.2016 - قطاع التربية

أهالي جنوب السودان من حقول الرعي إلى مقاعد الدراسة ليصبحوا مدرّبين في مجتمعهم

© اليونسكو

إن هؤلاء الأشخاص البسيطين الذين جلسوا، لأول مرة في حياتهم، على مقاعد الدراسة رغبة منهم بأن يصبحوا بدورهم مدربين في مجتمعاتهم، قد ابتعدوا كل البعد عن حقولهم ومواشيهم. وقد تطلب الأمر من المعلّمين الكثير من الجهد لكسر الحواجز بينهم وبين طلابهم الجدد. حيث احتاج الشباب بعض الوقت لتقبل فكرة تدريبهم على أيدي النساء. ففي الحقول، النساء يعملن ولكن لا يسمع لهنّ صوت بين الرجال.

ولكنهم سرعان ما تكيّفوا مع الثقافة الجديدة التي وضعوا فيها. فعلى خلاف ما اعتادوا عليه، أصبحوا يمضون ساعات طويلة على مقاعد الدراسة، بعيداً عن عائلاتهم وأصدقائهم ومواشيهم طيلة النهار. كما أصبحوا يمضون وقتهم في الاستماع الفعّال لأساتذتهم والنقاش في مجموعات ولعب الأدوار المختلفة وإلقاء المحاضرات والنقد البناء وذلك عوضاً عن الحديث المستمر عن رعي قطعان الماشية. ومكّنت كل هذه الأنشطة من خلق صداقات جديدة بين الطلبة ما أشبع النقص الموجود لديهم. وسرعان ما بدأت عائلة المدرّبين الجدد بالتشكّل.

في هذا السياق، يأتي مشروع "تعزيز المعارف والتعليم من أجل سبل معيشيّة أفضل في جنوب السودان" الذي أنشئ بالتعاون بين اليونسكو ومنظمة الأغذية والزراعة لصالح خمسة مناطق في ولاية البحيرات جنوب السودان وبتمويل من الاتحاد الأوروبي ودعم من الوزارات المحليّة. ويستهدف هذا المشروع الأطفال والشباب والبالغين على حدّ سواء في منطقة تعاني من نقص في فرص التعليم ناهيك عن الصراع الناجم عن انعدام الأمن الغذائي والبطالة والإغارة على قطعان الماشية.

تميّز وترحيب بطولي

يقول ميشيل الذي تميّز خلال التدريب ورحب به الجميع ترحيباً بطوليّاً عند عودته إلى البيت: "أتذكّر كل ما تعلّمناه بأدق التفاصيل لا سيما في ما يتعلّق بعلامات وأعراض أمراض المواشي."
ويشعر ميشيل الآن بأنّ أكبر إنجازاته تجسّد في تدريبه على كيفية تطوير أفكار تجاريّة جديدة.
وأضاف ميشيل قائلاً: "بمجرّد ما بدأ المدرّب حديثه، أدركت سبب فشل الأشخاص الذين يحاولون إقامة مشاريع تجاريّة في الحقول كما فتح هذا التدريب أعيننا على الفرص الكامنة هناك."
وعندما عاد ميشيل إلى الحقل، أخذ إجازة لعدّة أيام بعيداً عن الرعي وقد لا يعود إطلاقاً لهذا العمل لأنه سيصبح معلّماً في منطقته. وقد بدأ بالفعل العمل في تعليم أخوته وبعض أبناء المنطقة في المنزل وذلك بفضل المهارات التي اكتسبها.

وضع بعض الخلافات العشائريّة القديمة تحت المجهر للمرّة الأولى
عندما سئل ميشيل عمّا أحدثه هذا التدريب من تغيير في حياته، أجاب قائلاً: "بالرغم من أنّني لطالما كرهت المعلّمين، لكنّني أريد الآن أن أصبح معلّماً. وبالإضافة إلى ذلك، لم أفكّر يوماً أنّه لا جدوى من القتال المستمر والأخذ بالثأر من العشائر الأخرى على مدى الأجيال المتعاقبة. ولكن مكنّني هذا التدريب من إعادة النظر بهذه العادات والممارسات البالية."
ويخطّط ميشيل الآن لمساعدة مجتمعه في ما يتعلّق بتربية الماشية وفي تنويع مصادر رزقهم بالاعتماد، بالإضافة إلى الرعي، على الزراعة وإقامة قرية تعاونيّة.

وقد قال عم ميشيل أن هذا المشروع يشكّل أعظم هديّة يمكن لأحد أن يقدّمها لجنوب السودان. فقد أهمل الجميع رعاة الماشية ما دفعهم للجوء إلى السلاح للدفاع عن ممتلكاتهم. وأضاف أنه من شأن التعليم أن يقلّل من حالات القتل التي لا معنى لها في المنطقة لأن الشباب الذي اعتاد على إطلاق النار لأتفه الأسباب سيبدأ بتوسيع آفاق حياته وسيملأ وقته في التعلّم والبحث عن طرق بديلة لكسب المال.
هذا ويتوق عم ميشيل للالتحاق بدروس محو الأمية للبالغين والتي ستنظّم في منطقتهم. وقد بدأ بالفعل بتخيّل نفسه ملتحقاً بهذه الصفوف وقال إذا ما تأخرت اليونسكو ومنظمة الأغذية والزراعة في بدء المشروع، سيطلب من ميشيل البدء بإعطائه بعض الدروس.

وقال منسّق المشروع في مكتب اليونسكو في عاصمة جنوب السودان، جوبا "إن معظم العائلات التي تعيش على الرعي تأخذ الأطفال الأذكياء ليحرسوا الحقول ويعتنوا بها حيث تعتبرهم من الممتلكات الخاصة بها وكأنهم ليسوا بشرا وبالتالي يحرمون من الوصول إلى التعليم."

ويذكر أن اليونسكو ومنظمة الأغذية والزراعة أقامتا هذه الشراكة من أجل تعزيز خطة سبل عيش الأسر الرعويّة والتعليم في المدارس المحليّة والتي من شأنها الدمج ما بين سبل العيش والتعليم للوصل إلى المجتمعات الرعويّة في الحقول. وبدأ مشروع التدريب الرائد في نطاق محدود ومن المتوقع توسيع مجاله لتستفيد منه الدول المجاورة فور توفّر التمويل اللازم.




العودة إلى --> الأخبار
العودة إلى أعلى الصفحة