الربط الشبكي في حوض النيل

© الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا)
صورة من الفضاء تظهر بحيرة ناصر والبحر الأحمر وجزءاً من نهر النيل.

يُعد النيل أطول نهر في العالم. ومنذ حصول جنوب السودان على استقلاله في تموز/يوليو 2011، أصبح هذا النهر مشتركاً بين 11 بلداً. ويمثل النيل أحد النظم الأكثر تعقيداً وحساسيةً في العالم، لا فقط على الصعيد الهيدرولوجي، بل أيضاً من حيث تنوع الخلفيات الثقافية واللغوية والدينية والتاريخية للبلدان التي يمر بها. ومن غير المفاجئ بالتالي أن يكون التعاون فيما بين بلدان حوض النيل قد اقترن ببعض الصعوبات في الماضي. وبعد محاولات كثيرة لم تكلل بالنجاح، تحقق تقدُّم كبير في عام 1999 عندما وافقت البلدان الواقعة على ضفاف النيل على وضع آلية تعاون مؤقتة تُعرف باسم "مبادرة حوض النيل".

 واستُهلت في ذلك الوقت عملية موازية تمثل هدفها في تعزيز التعاون المهني استناداً إلى نهج ينطلق من القاعدة، وهي عملية أسفرت عن إنشاء "شبكة حوض النيل لبناء القدرات" في عام 2002. وتولى معهد اليونسكو للتعليم في مجال المياه بدلفت (هولندا) توجيه هذه العملية وقد حظي بدعم مالي من الحكومة الهولندية لتنفيذ مهمته. ونجحت الشبكة على مدى السنوات العشر التي تلت إنشاءها في اجتذاب أكثر من 100 1 أخصائي في مجال المياه من حوض النيل.

 

ووقّعت مبادرة حوض النيل في السنة الماضية مذكرة تفاهم مع الشبكة بعد عشر سنوات من العمل المتوازي. وأتى هذا الاتفاق ليؤكد أوجه التكامل القائمة بين هاتين الآليتين المتشابهتين وليشدد على ضرورة اعتماد أساليب تعاون رسمية وغير رسمية لتحسين المعارف المتعلقة بحوض النيل.

خريطة شبكة حوض النيل لبناء القدرات

ويمر نهر النيل بأراضي بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومصر وإريتريا وإثيوبيا وكينيا ورواندا وجنوب السودان والسودان وتنزانيا وأوغندا. وما زال منبع هذا النهر لغزاً غامضاً حتى الآن علماً بأن كلاً من رواندا وبوروندي يعتبر أن منبع نهر النيل يقع في أراضيه. ويبدأ النيل مساره من بحيرة فيكتوريا ويقطع مسافة 500 6 كيلومتر حتى مصبه في البحر الأبيض المتوسط. ولنهر النيل رافدان رئيسيان أولهما هو النيل الأزرق الذي ينبع من بحيرة تانا في إثيوبيا. أما الرافد الثاني المعروف باسم النيل الأبيض، فهو أطول بكثير من النيل الأزرق وينبع من منطقة البحيرات الكبرى في أفريقيا الوسطى.

 

ومع أن لحوض النيل تاريخاً ثقافياً غنياً، فإن الخلافات والنزاعات المرتبطة بضبط مياهه واستخدامها تشكل منذ زمن طويل عقبات تحول دون تنمية الحوض وتأمين حمايته. وما زالت مبادرة حوض النيل في صيغة مؤقتة. أما الاتفاقية الإطارية للتعاون التي اعتُمدت قبل أكثر من عشر سنوات، فلم تحظَ حتى اليوم إلا بتوقيع ستة من البلدان الأحد عشر الواقعة على ضفاف النيل.

ضرورة التعاون في مجال المياه

تجلى بوضوح تام في السنوات الأخيرة أنه يجب اعتماد نهج إقليمي لحل المشاكل الرئيسية في مجال التعاون، وهي مشاكل تتجاوز الحدود السياسية للبلدان المعنية في معظم الأحيان، ومنها انعدام الأمن الغذائي، والتدهور البيئي، والتكيف مع تغير المناخ، وإدارة الأراضي الرطبة والنظم الإيكولوجية، وإدارة نوعية المياه، وإدارة الفيضانات وحالات الجفاف. ومن المتوقع أن يرتفع عدد السكان في حوض النيل بمقدار الضعف إلى أكثر من 300 مليون نسمة بحلول عام 2040. وتواجه جميع البلدان المعنية صعوبات في تمكين سكانها المتزايد عددهم باستمرار من الانتفاع بمياه الشرب المأمونة، ومرافق الصرف الصحي الملائمة، وبالكهرباء وغير ذلك من الخدمات. ويدل النقاش الحاد الذي جرى حديثاً على الصعيد دون الإقليمي بشأن المشروع الكبير الذي تعتزم إثيوبيا تنفيذه لإنشاء محطة لتوليد الطاقة الكهرمائية، وهو مشروع سيكون له تأثير كبير في كل من مصر والسودان، على الحاجة الملحّة إلى إقامة حوار سياسي هادئ يرتكز على وقائع علمية، لا على ادعاءات وافتراضات.

© برنامج الأمم المتحدة للبيئة
الأعمال جارية لتعلية سد الروصيرص في النيل الأزرق بالسودان.

وتعاني أغلبية البلدان الواقعة على ضفاف النيل من ضعف قدرات مؤسساتها ومواردها البشرية في مجال الإدارة المتكاملة للموارد المائية. وينطبق ذلك على المياه العابرة للحدود وعلى المياه الداخلية. ففي كل بلد من البلدان المذكورة، ما زالت عملية إدارة الموارد المائية في حوض النيل تفتقر إلى آلية مشتركة بين القطاعات، ولا يوجد سوى تنسيق محدود بين مختلف الهيئات الوطنية المعنية. ويُضاف إلى ذلك التباين الكبير في القدرات المؤسسية من بلد إلى آخر.

وازداد الوضع سوءاً بسبب الاضطرابات المدنية والنزاعات التي شهدتها ستة من البلدان الأحد عشر الواقعة على ضفاف النيل، الأمر الذي ترتب عليه تأخير كبير في تنفيذ الاستثمارات المتعلقة بالمياه، وإدارة غير ملائمة للبنى الأساسية، وضرورة تنمية قدرات المؤسسات والموارد البشرية. وكان التعاون فيما بين البلدان الواقعة على ضفاف النيل غائباً حتى وقت قريب، وهو واقع أدى إلى عرقلة عملية تبادل المعلومات والخبرات في المنطقة وأثر تأثيراً سلبياً على أنشطة البحث والتطوير. ولذا، كان خبراء أجانب يجرون أغلبية البحوث المطلوبة في البلدان المعنية، علماً بأن هؤلاء الخبراء كانوا يتقاضون أجراً أعلى من أجر الخبراء المحليين وكانوا يفتقرون إلى المعارف المحلية اللازمة.

وتكمن أهمية "شبكة حوض النيل لبناء القدرات" في أنها تساعد الأخصائيين المعنيين بالمياه في حوض النيل على الاتصال ببعضهم البعض وتمكّنهم من معالجة القضايا الوطنية والإقليمية الملحّة، وتوفر بالتالي بيئة مؤاتية لتبادل الأفكار وأفضل الممارسات. كما تتيح هذه الشبكة تعزيز البحوث الدولية الجامعة للتخصصات وزيادة مشاركة الأخصائيين المعنيين بالمياه في البحوث المبنية على متطلبات السوق عن طريق تشجيع أعضائها على تقديم طلبات للانتفاع بالمنح البحثية التي يوفرها الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وغيرهما من الجهات.

كيف انبثقت فكرة إنشاء شبكة دعم غير رسمية؟

© برنامج الأمم المتحدة للبيئة / قاعدة البيانات البيئية الخاصة بالسودا
مزارعون في السودان يقفون عاجزين أمام أشجار النخيل التي جرفتها مياه النيل مع جزء من ضفة النهر.

تُعتبر "شبكة حوض النيل لبناء القدرات" آلية تكميلية لمبادرة حوض النيل لأنها توفر شبكة دعم غير رسمية للأخصائيين المعنيين بالمياه في المنطقة. وانبثقت فكرة إنشاء شبكة من هذا النوع في إطار برنامج موّلته هولندا وتولى تنفيذه معهد اليونسكو للتعليم في مجال المياه من أجل تعزيز قدرات معهد بحوث الهيدروليكا (القاهرة، مصر) على تدريب الأخصائيين. وفي الفترة الممتدة من عام 1995 إلى عام 2000، أمضى أكثر من 150 مشاركاً من مختلف بلدان حوض النيل ثلاثة أشهر في مصر للمشاركة في دورة دراسية تخولهم الحصول على دبلوم في مجال هندسة الأنهار. وتمكّن العديد من الأخصائيين الشباب الذين شاركوا في الدورة من إقامة علاقات صداقة وثيقة مع أخصائيين آخرين يعيشون في بلدان ذات خلفيات سياسية وثقافية غاية في الاختلاف.

وأدرك هؤلاء الأخصائيون أنهم يتكلمون اللغة المهنية عينها، ولعل أهم نتيجة أسفرت عنها الدورة الدراسية هي الثقة التي نشأت فيما بين الأخصائيين. وتُسمى هذه العملية، في الأوساط المتخصصة، "تشكيل جماعة ممارسين". وأصبحت هذه الثقة المتبادلة مع الوقت إحدى الركائز الأساسية للشبكة.

وأُنشئت الشبكة رسمياً خلال حلقة عمل أفضت إلى اعتماد إعلان القاهرة في 15 كانون الثاني/يناير 2002. وكان من بين الأشخاص الثمانية والأربعين الذين وقّعوا هذا الإعلان مندوبون من الحكومات والسلطات المعنية بالمياه والمؤسسات البحثية المختصة في جميع البلدان الواقعة على ضفاف النيل، فضلاً عن مندوبين من اليونسكو والبنك الدولي ومبادرة حوض النيل.

ووصِفت هذه الشبكة بالرائدة لأن مفهوم الربط الشبكي لغرض تبادل معارف متوافرة في مناطق مختلفة كان يمثل مفهوماً جديداً بالنسبة إلى الأوساط الأكاديمية في ذلك الوقت. واقتصرت بحوث الشبكة في مرحلة أولى على موضوع هندسة الأنهار.

وتضم الشبكة ثلاثة عشر فريقاً بحثياً تعمل في إطار ست مجموعات تعنى بالمجالات التالية: الطاقة الكهرمائية، والمسائل البيئية، ونظم المعلومات الجغرافية وإعداد النماذج، ومورفولوجيا الأنهار، وإدارة الفيضانات، وبنى الأنهار. ويُعيَّن في كل فريق مستشار علمي من معهد اليونسكو للتعليم في مجال المياه وكلية علوم المعلومات الجغرافية ومراقبة الأرض في جامعة توينتي (هولندا). وبدأت الشبكة في عام 2007 بإصدار مجلة خاصة بعلوم وهندسة المياه في حوض النيل لمساعدة أعضائها على نشر نتائج بحوثهم العلمية.

وقُدِّمت إلى المؤتمر المعني بالشبكة، في عام 2010، أربعة وعشرون مشروعاً بحثياً تركز على مواضيع متنوعة منها إمكانية إنتاج الطاقة الكهرمائية على نطاق محدود، وتغير المناخ، ومكافحة الفيضانات، ونوعية المياه. وتولى علميون لديهم مصالح مشتركة مسؤولية تنفيذ هذه المشاريع على الصعيد المحلي أو على الصعيد الإقليمي. وأتاحت تجربة التعاون هذه بناء الثقة وزودت كبار العلميين في المنطقة بآلية تمكّنهم من تبادل المهارات والمعارف مع بعضهم البعض وكذلك مع العلميين الشباب في بلدانهم.

مقتطف من مقال أعده كل من أمل عزب وكاريل كولس ويان لويندايك ونُشر في مجلة "عالم العلوم"، المجلد 11، العدد 3، تموز/يوليو - أيلول سبتمبر 2013. (باللغة الانجليزية)

العودة إلى أعلى الصفحة