حياة سندي: قدوة للشباب

تعرفوا على حياة سندي، الشابة السعودية التي يندر مثلها. فهي أول إمرأة من منطقة الخليج العربي تحصل على شهادة الدكتوراه في مجال الكيمياء الحيوية؛ ويحدوها الأمل في أن يحذو الكثيرون حذوها. ولقد شاركت حياة سندي في إنشاء مشروع "التشخيص للجميع"، وهو مشروع لا يستهدف الربح ويرمي إلى إنقاذ حياة الناس وإلى تحسين الخدمات الصحية في بلدان العالم النامية، وذلك من خلال تصميم أجهزة مبتكرة للتشخيص التطبيقي تتميز بقلة تكلفتها. وعلاوة على ذلك، فإن حياة سندي أنشأت معهد "التخيل والبراعة" الذي تتولى رئاسته، وهو معهد يستهدف بناء نظام إيكولوجي للمشاريع والابتكارات الاجتماعية للعلميين والتكنولوجيين والمهندسين في منطقة الشرق الأوسط وفيما يتجاوزها.

تشرح لنا حياة سندي في هذه المقابلة دوافعها وتبين ما الذي تود أن تبثه لغيرها من خلال أنشطتها.

الصورة كريس كروك / بوبتك
د. حياة سندي في البوبتك 2009

المرأة العربية ومجالات العلوم: ما الذي يثيره هذا الأمر لديك؟

إني فخورة بكوني إمرأة عربية وباحثة علمية في آن واحد: والواقع أني أرى أن ثمة إمكانيات للمرأة في هذا المجال، حتى وإن كان هناك شعور لدى النساء في الوقت الراهن بأن المستقبل في هذا الشأن يتسم بشيء من الغموض.

والحق أني أود أن أكون قد شجعت عدد من الفتيات على مواصلة مسيرتهن المهنية في مجال العلوم، إن كان في ذلك ما يجذب اهتمامهن. وإني أدعو إلى الخروج من المسارات المعتادة، إن كانت أوضاع الفتيات تتسم بالقسوة البالغة، وذلك من أجل تحقيق طموحاتهن. ومثال ذلك أنه إذا ما تمثل حلم فتى أو فتاة في مساعدة الناس عن طريق ممارسة مهنة الطب، فقد ينسحب هذا الفتى أو هذه الفتاة من عملهما إذا ما اعترضهما عائق من العوائق؛ ولكن من الواجب عليهما أن يجدا سبيلاً لبلوغ هدفهما، حتى وإن كان ذلك يعني أنه ليس من الضروري أن يكونا من الأطباء.

عندما كنت مراهقة، سافرت إلى المملكة المتحدة وعملت هناك في مكافحة مظاهر التمييز وأصبحت أول أنثى من منطقة الخليج العربي تحصل على شهادة الدكتوراه في مجال الكيمياء الحيوية. ثم التحقت بدورات مكثفة لتعليم اللغة الإنجليزية وأنجزت الثانوية البريطانية في نفس السنة؛ وبذلك ضمنت مكاناً لك في جامعة "كينجز كوليدج"، وهو ما مهد السبيل للالتحاق بجامعة "كمبردج". ما هي إذن الصعاب التي واجهتك أثناء هذه المسيرة؟

بالنظر إلى أني أنتمي إلى جيل الفتيات اللاتي يتعلقن بأسرهن، فقد كان عليّ أن أتكيف مع طريقة مغايرة للحياة في إنجلترا. فمن الناحية الاجتماعية، واجهت صعوبات فيما بيني وبين أصدقائي الجدد. وحتى عندما كنت أحاول قص حكايات، فإن الأمر كان مختلفاً تماماً: وذلك لأني أتيت من خلفية مغايرة كل التغاير. وفي الفصول الدراسية، كان هناك معلم أدرك أن السبيل الوحيد لدفعي إلى استخدام أساليبه في حل المشكلات إنما يتمثل في أن ألتزم بمزيد من الصرامة في المضي قدماً في عملي. وعندما أتأمل في الزمن الذي كنت أشعر خلاله بالإحباط، فإني لا أتذكر في واقع الأمر كيف واصلت مسيرتي. وكل ما أعرفه على وجه التحديد هو أنه إذا تم العثور على ما يثير الاهتمام والعواطف، فإن ذلك يساعد كثيراً على تحقيق ما يصبو المرء إلى تحقيقه.

وفيما يتعلق بالمجال الذي أعمل فيه، فإن كوني إمرأة يعني أيضاً ضرورة أن أحظى باحترام الزملاء الذين كانوا يظنون، مثلاً، أن اختياري ارتداء غطاء الرأس لا يتماشى مع اختياري دراسة العلوم الطبيعية.

© i2 institute.
د. حياة سندي

من الناحية العملية، هل تشعرين بأن المناهج الدراسية تجاري مظاهر التقدم في هذا المجال؟

إن المبادئ التي تستند إليها العلوم لا تتغير البتة؛ وعليه فإني أعتقد أن صياغة مقدمة صحيحة لدراسة العلوم إنما تمثل ما ينبغي القيام به في المدارس في جميع أرجاء العالم. وعلاوة على ذلك، يجب إدماج التجارب العملية في المناهج الدراسية لأنها مثلت عنصراً محورياً في مجال التعليم الذي انخرطت فيه. أما التعليم العالي فإنه يمثل بلا ريب خطوة في الاتجاه الصحيح، كما أنه يتسم دوماً بما يجلبه من منافع، رغم أنه قد يثبط الهمة في البداية. وينبغي أن يساعد التعليم العالي الشباب في أن يكتشفوا بالضبط المجال الذي يحق لهم الانخراط فيه، وما الذي يثير اهتماماتهم. ورغم أن هذه الخطوة تمثل أمراً جديداً للكثيرين، فإن من الواجب الالتزام بها لأنها ستساعدهم في التغلب على العقبات.

 

متى وجدت إنجازاتك وقد أثمرت ثمارها إلى أقصى حد؟

لا شك أن مظاهر التقدم في مجالات التشخيص واعدة بصفة خاصة. فلقد تم تصميم قطعة من الورق في حجم طابع بريد مزودة بإمكانيات مختبر لعمليات التشخيص. ويكفي تأمل الإنجازات التي يمكن القيام بها في المدن الأفريقية التي تبعد كثيراُ عن المدن الكبرى والتي تثير دهشتنا من حيث البساطة التي تتسم بها. وبفضل الكيمياء الدقيقة، فإن النتائج الناجمة عن اختبار قطرة من الدم، على سبيل المثال، تظهر، في غضون عدة دقائق، وظائف الكبد، مما قد يؤدي إلى اكتشاف مرض السرطان، فضلاً عن تطبيقات أخرى تخص هذا الابتكار.

عندما تقلدت منصب أستاذ زائر بجامعة هارفارد، كان لك رؤى معينة فيما يخص نشر المعارف. ومن ثم فإن السبيل الرائد الذي سرت فيه ينبغي أن يكون نموذجاً للآخرين. فأين تودين تطبيق مظاهر التقدم هذه جغرافياً؟

إن هجرة الكفاءات تمثل خاصية بارزة لعالم العلوم في الوقت الراهن، وهي من الأمور التي أتعجب منها. فليس هناك نقص في توفير التعليم أو تركيز للأماكن التي يدار فيها. ومن المفهوم أن من الواجب على الذين اكتسبوا كفاءات أن ينشروا مساهماتهم حيث يُحتاج إليها: أي فيما بين أقل الفئات ثراءً. وإذ أدركنا أن 47% من سكان البلدان العربية تبلغ أعمارهم 18 سنة أو أقل، وأن من بينهم 70% يودون هجرة أوطانهم لمواصلة دراساتهم وأعمالهم، فإن من الصواب أن نقول إن وجهة نظر هؤلاء للمستقبل في الشرق الأوسط تحتاج إلى التحفيز. أما فيما يخص المساهمات التي أقدمها فهي تتمثل في رأب الفجوة بين قوتين هما: التخيل والبراعة، وذلك لتحقيق إمكانيات الذين يتمتعون بهاتين القوتين.

ومن خلال معهد " التخيل والبراعة"، وهو منظمة غير حكومية قمت بإنشائها، فإني استهدف بناء شبكة على المستوى العالمي تضم معلمين خاصين وعلميين، وذلك للتقريب فيما بين الشباب والمخترعين على نحو أكبر، ولإتاحة الفرصة لهم للتعرف على الكثير من الإمكانيات العلمية؛ والأهم من ذلك أن يطلقوا إمكانياتهم الشخصية.

في أسفارك حول العالم، ما هي الرسالة التي تقومين بنشرها وفقاً لوضعك في مجال العلوم؟

فيما يخصني، فإن الأمر لم يكن يسيراً، ولكني استحققت ما كنت جديرة به. ومن الأمور ذات الأهمية الحاسمة التحلي بمشاعر قوية وتحديد الأهداف التي يتعين بلوغها. فتحديد الأهداف من شأنه معالجة الشدائد. ومن المهم مواصلة العمل لبلوغ الأهداف، حتى وإن كانت هناك عوائق تحول دون ذلك. فليس من الجائز الاقتصار على الذات، بل ينبغي البحث عن الحلول المختلفة. والأهم من ذلك كله هو الاستمتاع بالمسيرة صعوداً ونزولاً !

العودة إلى أعلى الصفحة