28.05.2014

تزويد الفقراء بأدوية منقذة للحياة – مقابلة مع توماس بوج وآيدن هوليس

© البنك الدولي / أرني هاويل -

ستستضيف اليونسكو حلقة دراسية عامة في مقرّها في باريس (القاعة 11 (XI)، من الساعة 1 إلى الساعة 2 من بعد الظهر)، بمشاركة البروفيسورين توماس بوج وآيدن هوليس، الأستاذين الجامعيين الذائعي الصيت على الصعيد الدولي، اللذين سيقومان بشرح اقتراحات بشأن ضمان انتفاع الفقراء انتفاعا أفضل بالأدوية المنقذة للحياة. وتندرج هذ المسألة في إطار عملية التفكير المتعمّق التي تقودها لجنة اليونسكو الدولية الحكومية لأخلاقيات البيولوجيا حاليا بشأن المادة 15 (مبدأ تشاطر المنافع) من الإعلان العالمي لأخلاقيات البيولوجيا وحقوق الإنسان.

ويتمثل هدف البروفيسورين بوج وهوليس في الحدّ من الوفيات المرتبطة بغياب الانتفاع بالأدوية المنقذة للحياة. وفي هذه المقابلة، سوف يشرحان الأسباب الكامنة وراء ذلك...

توماس بوج © جميع الحقوق محفوظة

ما الذي يحول اليوم دون انتفاع الفقراء بالأدوية المنقذة للحياة؟

كل عام، يموت حوالى 10 ملايين شخص في جميع أنحاء العالم بسبب عدم قدرتهم على الانتفاع بالأدوية المنقذة للحياة. والأسعار الباهظة التي يولّدها نظام حقوق الملكية الفكرية مسؤولة جزئيا عن ذلك، إذ تحول دون تمكّن المرضى – وبخاصة في البلدان النامية والأسواق الناشئة – من الانتفاع بالأدوية التي يحتاجون إليها. وغالبا ما يجري تشويه صورة شركات الأدوية بسبب قيامها ببيع منتجاتها بهوامش ربح مرتفعة تُسهلها براءات الاختراع، وذلك في إطار مدوّنات ومقالات كتلك التي تحمل عناوين مثل "الأرباح التي تقتل". لكن علينا أن نقرّ بأنّ هذه الشركات تحتاج إلى أن تسترد تكاليف استثماراتها الكبرى: فقليلة هي الصناعات التي ترزح تحت وطأة تكاليف بحث وتطوير باهظة كهذه، تضاف إليها معدلات الخسارة المرتفعة، من أجل تطوير منتجات جديدة يمكن أن تقوم جهات منافسة بتعديلها وتكييفها أو إنتاجها بالجملة بسهولة وبأبخس الأثمان. كما علينا أن نقرّ بأنّ الأدوية التي طوّرتها شركات الأدوية قد أسهمت في إنقاذ ملايين الأشخاص. وبالتالي، فإننا نواجه، على ما يبدو، معضلة أخلاقية معقّدة لم تُحلّ بعد: فمع هوامش الربح المرتفعة المحمية ببراءات الاختراع، يموت المرضى بفعل غياب الانتفاع بالأدوية المنقذة للحياة؛ ومن دون هوامش الربح هذه، لا تتوفر حوافز ملائمة لإنتاج أدوية جديدة يمكن أن يستفيد منها الجميع في المستقبل. 

آيدن هوليس © جميع الحقوق محفوظة

ما الذي يمكن القيام به لضمان أن يتمكن الفقراء من تحمُّل تكاليف الأدوية المنقذة للحياة والاستفادة منها بسهولة أكبر؟

أولا، هنالك مشكلة أسعار الأدوية. فحتى في البلدان الأغنى في العالم، تفضي الأسعار المرتفعة لبعض الأدوية الجديدة إلى حرمان بعض الأشخاص من علاجات جديدة وفعالة؛ وفي البلدان ذات الدخل المنخفض، تبدو مشكلة التكاليف هذه أكثر حدّة. ففي هذه البلدان، يواجه الفقراء عراقيل إضافية تتمثل في أنظمة التوزيع السيئة التي تفضي إلى زيادة التكاليف، وفي الأنظمة الصحية التي تفتقر إلى الموارد وتعجز عن توفير تشخيصات دقيقة وآنية. ونحن بحاجة إلى حلّ - أو إلى مجموعة حلول – لمعالجة هذه المسائل كافة.

وصندوق التأثير الصحي هو آلية مُقترَحة تتيح تطوير طريقة تسديد تكاليف الأدوية (أو على الأقل بعض منها) تطويرا مجديا. وقد صُممَت هذه الآلية لتخطي محدودية النظام الحالي، وهي تضمن اتساق حوافز الابتكار والتسويق في المجال الصيدلاني مع احتياجات المرضى في جميع أنحاء العالم. وبالإضافة إلى ذلك، يساعد الصندوق في تحسين أنظمة التوزيع والوصفات الطبية، إذ تمتلك شركات الأدوية حوافز أقوى تحثها على ضمان أن تصل الأدوية التي تصنعها إلى المرضى الذين من شأنهم أن يستفيدوا منها أكثر من غيرهم.

ومنظمة "حوافز من أجل الصحة العالمية"غير الربحية المعنية بتقديم حلول قائمة على السوق لمواجهة التحديات الصحية على الصعيد العالمي هي التي تتولى الترويج لصندوق التأثير الصحي. ويقترح الصندوق وسيلة جديدة لتسديد تكاليف الابتكارات في المجال الصيدلاني من خلال تحفيز إنتاج أدوية جديدة وتوزيعها عبر آليات الدفع مقابل الأداء. وتُتاح لشركات الأدوية كافة في جميع أنحاء العالم إمكانية تسجيل أدوية جديدة بواسطة الصندوق. ومن خلال عملية التسجيل هذه، توافق الشركة على توفير الدواء الذي صنعته بسعر التكلفة في الأماكن حيث تبرز الحاجة إليه، وفي مقابل تخلّيها عن الأرباح العادية التي يدرّها بيع الأدوية، تُكافَأ الشركة بناء على التقييم الذي يجريه الصندوق في ما يتعلق بالتأثير الصحي العالمي الفعلي للدواء. وتقوم الحكومات وغيرها من الجهات المانحة بتمويل الصندوق. وتُمنَح الشركات حوافز قوية لوضع منتجاتها المسجّلة في الصندوق في متناول المرضى الذين من شأنهم أن يستفيدوا منها أكثر من غيرهم. وتتعامل بالتالي تعاملا بنّاء مع سلاسل التوزيع والأنظمة الصحية لوضع منتجاتها بتصرّف المرضى، الفقراء والأغنياء على حدّ سواء.

 


* التسديد القائم على الأداء

ما هي العقبات التي يتعيّن تخطّيها لضمان سير هذه العملية الجديدة برمّتها؟

تتوفر في الأساس عقبتان رئيسيتان. وترتبط الأولى بالجدوى الفنية لقياس التأثير الصحي على نطاق واسع. ونظرا إلى أنّ صندوق التأثير الصحي يمنح مكافآت تعتمد صراحة على أداء الدواء، فإنّ قياس النتائج هام بشكل خاص. وتحتاج شركات الأدوية والحكومات إلى أن تتأكد من إمكانية تقييم النتائج على نحو موثوق ومتّسق. ولحسن الخط، يتزايد الاهتمام بسداد تكاليف الأدوية القائم على الأداء في إطار الأنظمة الصحية كافة تقريبا، فقد قام المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث مؤخرا بإعطاء منحة للبحوث المتعمّقة*. ونحن نقوم بوضع مشروع قياس تجريبي من شأنه أن يعالج بعضا من أكثر المشكلات صعوبة التي نواجهها في العالم الواقعي في ما يتصل بتقييم التأثير الصحي في البلدان النامية.

وفي المقام الثاني، سوف يكون على الحكومات أن تتّحد حول فكرة تمويل مثل هذا البرنامج، الأمر الذي يفرض التعاون على الصعيد الدولي. ونلحظ هذه الروح نوعا ما في إطار جمعية الصحة العالمية الحالية التي تقرّ بقيمة وأهمية توفير آلية تمويل موحّدة.

كيف يمكن لمنظمات دولية، مثل الأمم المتحدة واليونسكو، أن تسهم في الجهود الرامية إلى تعزيز انتفاع المرضى بالأدوية المنقذة للحياة في جميع أنحاء العالم؟

إنّ إعداد خطة إصلاحية معقدة كتلك المتمثلة في تعديل النظام الدولي لحقوق الملكية الفكرية يتطلب توفُّر ثلاثة أمور أساسية.

 

  1.  إجراء بحوث متعمّقة عالية الجودة كالتي نقودها بوصفها جزءا من المشروع المموّل من المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.
  2.  الحصول على تأييد ودعم شركات الأدوية، ولا سيما في ما يتصل بالدراسات التجريبية الرامية إلى اختبار الخطة الإصلاحية وصقلها. ونحن حاليا في طور إعداد دراسة تجريبية في الهند.
  3. الحصول على تأييد ودعم واضعي السياسات والجمهور لتمويل الخطة.

ويمكن لمنظمات دولية، مثل الأمم المتحدة أو اليونسكو، أن تساعد على نحو كبير في حشد الدعم حول خطط إصلاحية محدّدة. فعلى سبيل المثال، يُشارك قسم أخلاقيات البيولوجيا في اليونسكو بشكل كبير في بناء القدرات المتصلة بالمسائل الأخلاقية في البلدان النامية. ويجري ذلك عادة عبر إنشاء لجان معنية بالأخلاقيات وتدريبها. لكن، من خلال قيامها بذلك، تتعاون المنظمات مع أشخاص يحتلون مناصب اتخاذ القرارات في بلدان يمكن أن تستفيد على نحو كبير من استحداث صندوق التأثير الصحي وإطلاقه. وبالتالي، فإنّه يمكن لجعل خطة إصلاحية محدّدة، مثل صندوق التأثير الصحي، في متناول مدارك الجمهور أن يشكل إحدى الوسائل التي يمكن من خلالها لمنظمة ما مثل اليونسكو أن تُحدث فرقا.

والبحوث الجيدة والنوايا الحسنة لا تكفي وحدها لإحداث تغيير فعلي ومستدام: فمن الأهمية بمكان الحصول على دعم المنظمات الدولية وواضعي السياسات في هذا المجال.

*أعطيت المنحة للبروفيسور توماس بوج من عام 2014 وحتى عام 2019. وقد حظي اجتماع اليونسكو المنعقد في 6 حزيران/يونيو 2014 بتمويل من المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في إطار البرنامج الإطاري السابع للاتحاد الأوروبي (2007 – 2013 / اتفاقية منحة المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث رقم 339239).

العودة إلى أعلى الصفحة