لا وجود لليونسكو بدون فلسفة

© UNESCO / Sandro Chia

© اليونسكو / ساندرو شيا

لقد ارتبطت اليونسكو على الدوام بوشائج متينة مع الفلسفة. ولكن ليس من منظور تأملي تجريدي أو تقنيني وإنما بطرح تساؤلات نقدية تعطي معنى للحياة والعمل على الصعيد الدولي.

واليونسكو  ذاتها ولدت من رحم التساؤلات عن الشروط  اللازمة لإحلال السلام والأمن في العالم على نحو دائم: أي أنها جواب مؤسسي على سؤال فلسفي سبق وأن طرحه الراهب سانت بيير  وإيمانويل كانط. ويمكن القول أنها بالفعل مؤسسة فلسفية لأنها  تستهدف من خلال التربية والعلم والثقافة الإسهام في صون السلم والأمن عن طريق توثيق عرى التعاون بين الأمم، لضمان الاحترام الشامل للعدالة والقانون وحقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس كافة دون تمييز بسبب العنصر أو الجنس أو اللغة أو الدين، كما أقرها ميثاق الأمم المتحدة. وهي غاية لها مفهوم فلسفي للعدل وحقوق الإنسان وتاريخ العالم تسعى إلى إحقاقه بوسائل هي ذاتها فلسفية.

ولعل من الأفضل القول بأن اليونسكو ليست لها فلسفة بالمعنى الحقيقي لأنها اختارت لنفسها أن تكون المنبر المفضل للتبادل والتحاور بين مختلف التجارب الفكرية والثقافية في العالم. وإنما نقول بالأحرى أن اليونسكو فلسفة بحد ذاتها. وانطلاقا من هذه الفلسفة يمكن صنع تاريخ اليونسكو. فاليونسكو تستقرئ ذاكرة تراثها لتصنع وتجدد حاضرها بما يتفق وميثاقها التأسيسي. ولهذا التراث أوجه وقراءات متنوعة منها قراءة باتريس فيرميرن الذي يصف لنا هنا كيف حلّت الفلسفة في اليونسكو. ولهذه القراءة فضل في تأكيد وترسيخ ما ألزمنا به أنفسنا أي العمل على تعزيز هذا التراث والإسهام بكافة الوسائل المتاحة في الترويج لثقافة فلسفية على النطاق العالمي.

وآمل أن يصبح قطاع العلوم الاجتماعية والإنسانية مختبرا حقيقيا للأفكار والاستباق وموقعا دوليا للبحث والتأمل والتبادل ووضع المبادئ والمعايير والسياسات في مجالات الاستشراف والعلوم الاجتماعية والإنسانية والفلسفة وحقوق الإنسان وأخلاقيات العلوم والتكنولوجيا. دعونا نسخّر قوة الأفكار من أجل التأثير على التحولات الاجتماعية. وعلى هذا الدرب لا بد من التعريج على "المنعطف الفلسفي" – أستعير هنا عبارة جان هيرش الجميلة الواردة في دراستها الشهيرة التي أعدتها بطلب من اليونسكو عن حقوق الإنسان من منظور فلسفي – الذي بات يفرض نفسه علينا يوما بعد آخر، واليوم أكثر من أي وقت مضى.

العودة إلى أعلى الصفحة