10.04.2013 -

هيربي هانكوك

الولايات الأمريكية المتحدة

هيربي هانكوك هو عازف بيانو وملحن أمريكي ذو شهرة عالمية، وهو صاحب فكرة إعلان يوم دولي لموسيقى الجاز.

ما الذي شجعك على اقتراح إعلان يوم دولي لموسيقى الجاز؟

حظيت في تموز/يوليو 2011 بشرف تعييني سفيراً للنوايا الحسنة في اليونسكو، وقررت عندئذ أن أكرس ما يلزم من الوقت والجهد لتعزيز ثقافة السلام. وقدّمت بالتالي مشروعاً يرمي إلى نشر قيم موسيقى الجاز على الصعيد العالمي. واعتمد المؤتمر العام لليونسكو هذا المشروع في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 وآمل أن يسهم اليوم الدولي لموسيقى الجاز في حث جميع فئات الناس، وبخاصة الشباب، على الاهتمام بموسيقى الجاز.

تعمل منذ سنوات عديدة على مساندة الشباب بوسائل عدة، ولا سيما عن طريق دعم معهد ثيلونيوس مونك للجاز الذي تترأسه اليوم، وهو مؤسسة خيرية أمريكية تكرس عملها لتعليم الموسيقى.

أعتبر أن الموسيقى بوجه عام - وموسيقى الجاز بوجه خاص لأنها ارتجالية - تساعد الطلبة على التعبير عن أنفسهم. والقدرة على التعبير عن الذات هي من العوامل التي تولّد لدى الإنسان شعوراً كبيراً بالتحرر. وتشير الإحصاءات إلى أن الطلبة الذين يتعلمون الموسيقى يحققون نتائج أفضل في مواد عديدة مثل الرياضيات والعلوم والأدب... وثمة ما يدل على أن تعلّم الموسيقى يزود الدارسين بقدرات تعزز احترامهم لذاتهم.

وأعتبر أن من المهم جداً أن يكتسب الشباب القيم الإنسانية التي تنشرها موسيقى الجاز لأن هذه القيم تُعتبر أساسية بالنسبة إلى التفاهم والحوار والاحترام.

ما هي هذه القيم؟

...أن يعيش المرء كل لحظة بشغف وحماس شديدين، وأن يلتزم بالعمل الجماعي وبمبدأ احترام الآخر على وجه الخصوص. وتجسد موسيقى الجاز أسس الحرية لأن جذورها تعود تحديداً إلى حقبة الاسترقاق. ولا يوجد في عالم الجاز مكان لإطلاق الأحكام على الآخرين والدخول في تنافس سلبي معهم. فموسيقيو الجاز لا يطلقون أبداً الأحكام على زملائهم. فمهما فعل الزملاء ومهما كانت الطريقة التي يعزفون بها على آلاتهم الموسيقية، لن يقدم أحد من أفراد الفرقة الآخرين على انتقادهم، ذلك لأن المحرك الوحيد للفرقة هو سعي الموسيقيين إلى مساعدة بعضهم البعض على تنمية قدراتهم.

وموسيقى الجاز هي حوار ينشأ بين الموسيقيين الموجودين على المسرح، وبين المسرح والجمهور، وبين أفراد الجمهور، من خلال عملية الارتجال الموسيقي. وسأعطي مثلاً على ذلك: في عام 1998، طلب الرئيس كلينتون من معهد ثيلونيوس مونك للجاز أن يمثل قيم الثقافة الأمريكية من خلال فنانيه في مؤتمر قمة الأمريكيتين الذي نُظِّم في شيلي بمشاركة قادة سياسيين من أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية. وعندما كنا على المسرح، نظرت إلى الجمهور الذي كان يضم أشخاصاً من شتى أنحاء العالم ورأيت بأم عينيّ كيف بثت الموسيقى الراحة في صدور الناس شيئاً فشيئاً، وكيف سقطت الحواجز الخفية، وكيف عمت السعادة القاعة بأكملها. وفي اليوم التالي، قال لنا الرئيس إن تأثير الموسيقى التي عزفناها على الحوار بين الثقافات وثقافة السلام أكبر بكثير مما يمكن أن تحققه خطابات كل السفراء ورجال السياسة مجتمعين (يضحك).

شارك في ألبومك الأخير المعنون "ذا إيماجن برودجكت" (2010) موسيقيون من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وآيرلندا ومالي والكونغو وكولومبيا والصومال والمكسيك وجنوب أفريقيا والهند. ويمزج هذا الألبوم بين عدة أصناف موسيقية، بدءاً بالجاز وانتهاءً بالهيب هوب. فما كان الهدف الرئيسي الذي سعيت إلى تحقيقه من خلال هذا العمل؟

لقد طرحت هذا السؤال على نفسي: ما هو الهدف من إعداد ألبوم موسيقي؟ وأقر بأنني لم أطرح أسئلة من هذا النوع على نفسي في بداية مسيرتي الفنية ولكن تطلعاتي باتت مختلفة الآن. وما سعيت إلى تحقيقه من خلال ألبوم "ذا إيماجن برودجكت" هو الارتقاء بالموسيقى من مجرد ألحان تُسجَّل على قرص مدمج إلى وسيلة لخدمة البشرية.

ولقد كرست بعض الوقت للتفكير في التحديات الكبرى لعصرنا الحالي، وأبرزها حركة العولمة. وأعتبر أن العولمة مستقلة عن الأزمة الاقتصادية الراهنة ومرتبطة بها في آن، ولكنها تجسد في المقام الأول عملية تتيح للبشر أن يقبلوا فكرة انتمائهم إلى عالم واحد ومجتمع واحد هو المجتمع الإنساني.

وسعياً إلى التعبير عن هذا الواقع بالموسيقى، قررت أن أعد ألبوماً مع موسيقيين من بلدان وثقافات مختلفة، يتكلمون لغات مختلفة، كي أظهر أن الإبداع يتسم بطابع عالمي. ولم يقتصر هدفي على الجمع بين عدة فنانين ليعزفوا معاً، بل أردت أن أضع عملاً موسيقياً ذا إشعاع عالمي وكان لا بد بالتالي من أن يغني كل فنان بلغته الأصلية. وعليه، يضم الألبوم أغنيات بسبع لغات مختلفة تم تسجيل كل أغنية منها في بلد مؤديها. لقد قمنا بجولة حول العالم لتسجيل هذا الألبوم!

وما أردت تسليط الضوء عليه من خلال ألبوم "ذا إيماجن برودجكت" هو الطاقات الهائلة لعالم العولمة الذي نطمح إلى بنائه، وهو عالم لا مكان فيه للأنانية والجشع وعالم تطغى فيه صيغة الجمع على صيغة المفرد. وهذا هو السياق الذي اقتبست فيه عنوان الألبوم من أغنية "إيماجن" الشهيرة لجون لينون.

هل كان استخدامك لآلة "الكورا" الأفريقية في الألبوم خطوة أردت بها العودة إلى جذور الجاز؟

لم أنظر إلى ألبوم "ذا إيماجن برودجكت" على أنه ألبوم جاز، علماً بأن روح الجاز مجسدة فيه بطريقة أو بأخرى. ولموسيقى الجاز في الواقع عالم خاص بها، وما أردت تحقيقه من خلال هذا الألبوم هو وضع ألحان غير محصورة ضمن حدود محددة.

وإلى جانب ذلك، فإن موسيقى الجاز لم تستمد جذورها من أفريقيا فقط، بل استمدتها أيضاً من أمريكا ومن مناطق وبلدان أخرى من العالم مثل آيرلندا.

ويمكن بالتالي القول إن موسيقى الجاز تجد جذورها في البشرية جمعاء. ولذا، أتمنى أن تُدرج موسيقى الجاز في يوم من الأيام في قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية وأن تصبح الأماكن التي شهدت ولادة الجاز مثل مشاتل دوكيري في دلتا نهر ميسيسيبي، ونيو أورلينز، وشيكاغو، ونيويورك، من المواقع المدرجة في قائمة التراث العالمي.

ثمة ارتباط وثيق بين مهمتك في اليونسكو والتراث العالمي.

نعم، وسأقيم غداً [30/1/2012] حفلاً موسيقياً مسائياً في اليونسكو بمناسبة الذكرى السنوية الأربعين لاعتماد اتفاقية التراث العالمي وإنني فخور جداً بذلك. وأعتبر أن برنامج التراث العالمي في اليونسكو هو أحد أبرز برامج المنظمة. فالمواقع التراثية المحمية لا تجسد كنوز الثقافة العالمية فحسب، بل تمثل أيضاً أماكن ذات أهمية رمزية فيما يخص تاريخ الأمم، وكذلك فيما يخص نقل هذا التاريخ إلى الأجيال المقبلة. وسافرت في إطار مهمتي الأولى بصفتي سفيراً للنوايا الحسنة في اليونسكو إلى منطقة جنوب شرق آسيا حيث تسنى لي زيارة بعض أروع مواقع العالم مثل بوروبودور وبرامبانان في إندونيسيا، وأنكور في كمبوديا. وكانت زيارتي هذه مثرية للغاية. فاكتشفت مثلاً أن موقعَي التراث العالمي في كمبوديا لا يمثلان عنصرين يحفظان الذاكرة الوطنية فحسب، بل هما أيضاً مركزان للحرف اليدوية والسياحة الثقافية يساعدان على استحداث الوظائف وتعزيز التنمية.

ودهشت عندما رأيت الطريقة التي يسهم بها التعاون الدولي في الحفاظ على كنوز التراث العالمي. فمعابد بأكملها رُمِّمت بصبر، حجراً بعد آخر. وأعتبر أن بناء السلام في العالم يجب أن يتم على هذا النحو، أي بمساهمة الجميع، وفي روح الأخوة والتعاون. وأعتزم تسخير مهمتي كسفير للنوايا الحسنة في اليونسكو للمشاركة في بناء أسس السلام.




العودة إلى --> الأخبار
العودة إلى أعلى الصفحة