14.05.2013

مؤتمر هانغزو الدولي: وضع الثقافة والإبداع في صلب التنمية

كيف يمكننا أن نستفيد إلى أقصى حدود الإفادة من الثقافة من أجل تحقيق النمو الاقتصادي، والاستدامة البيئية، والإندماج الاجتماعي؟ وكيف يمكننا وضع الثقافة والابتكار والإبداع في صلب السياسات العامة؟ سيتيح "مؤتمر هانغزو الدولي"، الذي تنظمه اليونسكو في الصين في الفترة من 15 إلى 17 أيار/مايو، إجراء مناقشات عالمية بشأن إدراج الثقافة في تصوّر التنمية المستدامة وفي عملية قياسها وممارستها. ويسعى المؤتمر إلى تشجيع الحكومات، والمجتمع المدني، والشركات التجارية والمجتمعات المحلية على تسخير القوة التي تتمتع بها الثقافة لمواجهة التحديات الإنمائية الأكثر إلحاحا.

ويضم الضيوف المتحدّثون ما يفوق على 100 خبير من أكثر خبراء العالم اطلاعا في مجال الثقافة والتنمية، فضلا عن القادة الحكوميين من أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، الراغبين في تبادل تجاربهم (رابط صفحة المتحدثين). ومدينة هانغزو، التي تستضيف المؤتمر والتي لطالما شكلت مركزا ثقافيا هاما في تاريخ الصين، هي نموذج ملهم للثقافة والتنمية في أوجهما. وهذه المدينة التي تندرج في إطار مدن اليونسكو الإبداعية للحرف اليدوية والفنون الشعبية تأوي مشهد البحيرة الغربية الثقافي المدرج على لائحة التراث العالمي لليونسكو. والمشاهد التقليدية المثالية التي تتميز بها المدينة بهضابها المغطاة بالضباب، ومقاعدها المصنوعة من خشب الصفصاف ومعابد باغودا القديمة الموجودة فيها، قد صُمّمت في جهد مميَّز يهدف إلى إبراز الالتحام والتناغم المثاليين بين الإنسان والطبيعة. وتؤدي الثقافة دورا طليعيا في التنمية الاجتماعية والاقتصادية في الصين، كما هي الحال بالنسبة إلى عدد متزايد من البلدان في جميع أنحاء العالم. 

© أ.ك.ماكاريجاكيس
مراسم تحضير القهوة ، ووضعها في اناء خاص. كافا، ايثيوبيا.

وفي زمن الأزمات الاقتصادية وخفض الإنفاق العام، تُولي الطاقات الكامنة الهائلة التي تتمتع بها القطاعات الثقافية في خلق الوظائف ودعم النمو الاقتصادي اهتماما خاصا. والتراث الثقافي، والصناعات الثقافية والإبداعية، والسياحة الثقافية المستدامة والبنية التحتية الثقافية تولد مداخيل قوية، بخاصة في البلدان النامية، وتسهم بالتالي في مكافحة الفقر والبطالة. وتمثّل الصناعات الثقافية والإبداعية أحد القطاعات الأسرع توسّعا في الاقتصاد العالمي مع معدل نمو يبلغ 17.6 في المائة في الشرق الأوسط، و13.9 في المائة في أفريقيا، و11.9 في المائة في أمريكا الجنوبية، و9.7 في المائة في آسيا، و6.9 في المائة في أوقيانوسيا، و4.3 في المائة في أمريكا الشمالية والوسطى، وذلك وفق ما ورد في دراسة أجرتها شركة برايسواترهاوسكوبرز.

وتقول المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوكوفا "إن الثقافة وصناعة السينما هما ثاني صناعتين استراتيجيتين في الهند بعد الفولاذ. ويبرز اقتصاد إبداعي جديد، وعلينا أن نضع أدوات لهذا الاقتصاد الجديد".

ويفرض القطاع الثقافي استثمارا رأسماليا محدودا، إلا أنّ له تأثيرا مباشرا على المجتمعات، ولا سيما الشعوب المعرضة للخطر، والنساء والمجموعات المهمّشة. ففي إكوادور، على سبيل المثال، تظهر الدراسات أنّ الأنشطة الثقافية النظامية والخاصة قد أسهمت بنسبة 4.76 في المائة في إجمالي الناتج المحلي لعام 2010. وفي العام نفسه،  تبوّأ 2.64 في المائة من السكان العاملين في البلد وظائف في المجال الثقافي، علما بأنّ 60 في المائة منهم نساء، وذلك وفق ما أشارت إليه دراسة أجرتها اليونسكو وحكومة إكوادور في عام 2012. والمشاريع الثقافية تشكل أيضا قوة إيجابية للإدماج الإجتماعي. وجرى مؤخرا، على سبيل المثال، إطلاق 360 مركزا للفنون في البرازيل للمساعدة على إيجاد فرص عمل في الأحياء الفقيرة في جميع أنحاء البلد. 

© مدينة انتشون-
خزف من السيراميك

© مدينة سانتا في-
حرف وفنون شعبية ، سانتا في

وأشارت المديرة العامة في وقت سابق من هذا العام إلى أنّه قد يبدو من المثير للدهشة أن نعتبر أنّ "الثقافة كانت تشكل في الماضي عائقا أمام التنمية، كأمر يتعين تخطيه، وكتقليد موروث من الماضي، أو في أفضل الأحوال، كهواية ثانوية في البلدان المتقدمة".  إلا أنّ هنالك اليوم فهما متزايدا لأهمية الثقافة في إرساء أسس التنمية المستدامة والسلام الدائم، وذلك من خلال الدور الذي تؤديه في النمو الاقتصادي، والتنمية البشرية، كمستودع للمعرفة البيئية، وكقوة رمزية لإرساء الاستقرار في المجتمعات في جميع أنحاء العالم.

والتنمية الفعّالة تُدرج ممارسات ثقافية في النموذج الاقتصادي وتدعم مشاركة المجتمعات المعنية. وتعكس احتياجات المستفيدين منها وتطلعاتهم وأولوياتهم وثقافاتهم. فعلى سبيل المثال، تفضي السياسات الزراعية إلى محاصيل أفضل عندما تشمل وجهات النظر المحلية المتصلة بالأرض والبزور. واليوم، يُقبل السياق الثقافي، والطب المحلي وأشكال التضامن التقليدية، كشروط مسبقة لاستدامة الحملات الصحية والتلقيحية.  ويزداد فهم وقبول التنوع الثقافي لدعم تعددية وسائل الإعلام وتعزيز تعدد اللغات. ومن خلال الترويج للموارد الثقافية وتعزيزها، تؤكد البرامج الإنمائية الناجحة التي أطلقتها الأمم المتحدة أنّ الثقافة تساعد في ضمان اندماج إجتماعي أكبر وتحقيق تقدم هام في اتجاه الأهداف الإنمائية للألفية.

فهل تشير هذه الأرقام إلى أنّ على العالم أن "يُعيد النظر في إجمالي الناتج المحلي، ويحقق الرخاء والتنمية البشرية" وذلك اقتباسا لعنوان حلقة مناقشة خلال المؤتمر؟ وسيقوم المشاركون في حلقة المناقشة، على مدى ثلاثة أيام، باستكشاف مجموعة من المسائل المثيرة للاهتمام في إطار جلسات موضوعية مخصصة تعالج تأثير الثقافة في النمو الاقتصادي، والاستدامة البيئية، والاندماج الاجتماعي؛ والتآزر بين الثقافة والإبداع والتخطيط المدني المستدام؛ والشراكات بين القطاعين العام والخاص التي من شأنها أن تساعد في تعزيز القطاع الثقافي. وترتكز جميع هذه المناقشات على الوعي بأنّه لا يمكن للتنمية المستدامة أن تُحقق عبر الاتفاقات الاقتصادية والسياسية فقط. والثقافة تجعل التنمية أكثر استدامة. ويتمثّل دور اليونسكو في مساعدة العالم في الاستفادة إلى أقصى حدود الإفادة من الثقافة – إذ إنّ ما من أمر آخر سيفي بالغرض. فمن دون الثقافة،  ما من مشاركة للناس، ومن دون مشاركة الناس، ما من تنمية مستدامة.

والمستقبل يعتمد على الثقافة، ويهدف مؤتمر هانغزو الدولي إلى تمهيد الطريق للمضي قدما في هذا المجال. 

العودة إلى أعلى الصفحة