مقال

علوم الأعصاب في المدرسة: بين السراب والمعجزة

في مطلع الألفيّة الثّانية، كان البعض يعتبر العلوم العصبيّة التّربويّة أداة قادرة على إحداث ثورة في المدرسة. وبعد عشرين سنة من ذلك، فإنّ هذه العلوم، حتّى إن لم تفِ بجميع وعودها، تظلّ أداة ملائمة لتقديم إثبات علمي لبعض الممارسات البيداغوجيّة.
Mesure de l'activité cérébrale d'un bébé de six mois par le biais d'un électroencéphalogramme au babylab du Centre neuroscience intégrative et cognition (INCC / CNRS et Université de Paris) qui étudie l’acquisition du langage et les capacités cognitives des nourrissons.

فلوريان باير

صحفي مستقلّ مقيم في فيينا (النّمسا)

مبدئيّا، يُعتبر كلّ طفل مُتشوّقا للتّعلّم، راغبا في الاستكشاف، ومُتطلّعا إلى التعرّف على ما يُحيط به. لكن كلّما تقدّمت مراحل الدّراسة، هفت هذا الحماس ليفسح المجال، أحيانا، إلى الإحباط. ولعلّ أحد التّحدّيات الكبرى التي تواجه المُدرّسين هي الحفاظ على هذه الرّغبة، أو إثارتها، بعد مرحلة الطّفولة.

خلال السّنوات 2000، أثار تطوّر علوم الأعصاب التّربوية أملا كبيرا في الأوساط البيداغوجيّة.

فالبحوث العلميّة حول آليّات التّعلّم بدت كفيلة بفتح الطريق أمام مناهج جديدة في تحسين التّركيز، وتنمية التّحفيز، وتطوير الذّاكرة لدى التّلاميذ. لكن النّتائج جاءت متباينة بعد انقضاء عشرين سنة على هذه المحاولات، إذ لئن سمحت أشغال الباحثين بابتكار بعضٍ من منظومات التعلّم الواعدة، فإنّ الثورة المُعلنة لم تحدث فعليا.

تُشير علوم الأعصاب إلى دور المشاعر والمتعة في التّعلّم  

الدّروس في شكل محاضرة، في الميزان

تُبيّن علوم الأعصاب التّطبيقيّة في المجال التّربوي أهميّة تشريك التلاميذ لتحفيز انتباههم، وتنصح بالتّناوب بين مراحل التعلّم ومراحل الاختبار والتّجارب، وتؤكّد على أنّ التّذكير المستمرّ بالمعارف ومراجعتها مرّات عديدة خلال السّنة يمكّن من تسجيلها في الذّاكرة لفترة طويلة. كما تُشير أيضا إلى دور المشاعر ومتعة التعلّم، وتدعو بالتاّلي إلى مراجعة الجدوى من العقوبات أو من إسناد الأعداد الّذين غالبًا ما يكونان مُهينَيْن وغير مُجْدِيَيْن. وقد أكّد الباحثون، أيضًا، على أهميّة الطّقوس في إعداد الأطفال لحصّة العمل. وجميع هذه الاستنتاجات غالبًا ما تتطابق مع ممارسات المُدرّسين.

يقول جيرالد ستاشل، مدير معهد ثانوي في وينر نيوستادت، الواقعة على بعد خمسين كيلومترًا من العاصمة النّمساوية: "بما أنّني أُدرّس الرّياضيات والفيزياء، فمن الطّبيعي أن أُوليَ اهتمامًا بعلوم الأعصاب وما تقدّمه من إضافة على ضوء اختبارها، على نحو  تجريبي، في قسم الدّرس". مثال أنّ تجزئة الدّروس إلى حصص بـ 50 دقيقة غير متناسبٍ مع نسق تعليم التلاميذ، وهو ما أكّدته الدّراسات.

من النّظرية إلى التّطبيق

إذا كانت بعض الأشغال التي يقوم بها باحثون في علوم الأعصاب تثير إشكالات هامّة، فإنه يظلّ من الصّعب نقل المعطيات المُتحصّل عليها في المخابر إلى فصول الدرس نظرا إلى أنّ مركزيّة النّظام التّربوي والقوانين والبرامج لا تترك مجالًا كبيرًا للتّجارب. ومن ناحية أخرى، فإن الآليات المعقّدة للتعلّم بدأت تكشف بالكاد عن أسرارها. فالماسحات الدّماغية بالأشعة لئن يُمكنها إظهار أيّ المناطق من الدّماغ تنشط عند القيام بمهمّة معيّنة، فهي لا تُرشد في شيء عن الآليات النّفسية، التي قد يكون دورها أكثر أهميّة. علاوة عن ذلك، فإن كلّ فرد يتعلّم بحسب نسقه الخاصّ، ووفق أساليبه الشخصيّة.

في الواقع، ينقسم المُدرّسون حول جدوى الّلجوء إلى العلوم المعرفيّة داخل الفصل. تقول نيكول فيدال، أستاذة العلوم التّربوية في المدرسة العليا للتّربية، في فرايبورغ بألمانيا: "لا أرى بوضوح الفائدة أو النّتائج المباشرة للبحث العصبي على ممارسة التّدريس". وتضيف: "بعد التحمّس الذي شاهدناه في البداية، اتّضح أن استنتاج تطبيقات بيداغوجيّة انطلاقا من طريقة عمل الدّماغ ليس بالأمر البديهي."

كما يُبدي، بدوره، ستيفان هوبمان، أستاذ العلوم التّربوية في جامعة فيينا، شكوكه فيما يخصّ علوم الأعصاب. فهو يَعيب على المنشورات افتقارها أحيانًا إلى الدّقّة العلميّة بقوله: "كثيرا ما تقع المبالغة في إبراز معارف بيداغوجية بديهية". 

وتضيف نيكول فيدال: "عِوضا عن سعيها إلى إحداث ثورة في طريقتنا في التّدريس، ربّما يكون الأجدر بعلوم الأعصاب التّربوية أن تساعدنا على التّغلّب على المشاكل الخصوصيّة واضطرابات التعلّم مثل صعوبات القراءة والكتابة (الديسلاكسي) أو اضطرابات فقدان الانتباه والتّركيز".

تقديس الأعداد

يقول توماس موهرس، باحث في التّربية في المدرسة العليا لعلوم التربية في النّمسا: "للأسف، طُوِيَتْ مرحلة الحماس والاندفاع ". فهو مقتنع بأن علوم الأعصاب البيداغوجية لم تفعل سوى تقديم الدّليل العلمي على ما كان أنصار التّعليم التّدرّجي أو التّقدّمي يمارسونه منذ عقود. 

وهو يستنكر بالخصوص تقديس الأعداد والآثار السّلبية للمنافسة بين التلاميذ من أجل التميّز في الأداء، مؤكّدا على أنّ "الخوف هو العدوّ المطلق للإبداع". فعِوضا عن إدانة الأطفال عندما "يفشلون"، يجب على المُدرّسين أن يُشجّعونهم على ارتكاب الأخطاء والتعلّم منها، كما تؤكّد ذلك عديد الأعمال في علوم الأعصاب التّربويّة.

ويضيف توماس موهرس أنّ: "العمل بطريقة التحسّس يُعدّ من أولى المبادئ العلميّة، وأنّه أمر أساسي لتقدّم العلم". غير أن المدرسة لم تُصمَّم بطريقة تُساعد التّلاميذ على التعلّم من أخطائهم بل جُعلت لإدانتهم.

بيد أنّ الضّغط بقدر ما قد يكون مربكا، له أيضًا فضل التّحفيز. "فالضّغط يساعد على تحفيز التّلاميذ" كما يقول جيرالد ستاشل. والإشكال أنّ كلّ ضغط مُسلّط على التلاميذ، حتى إن كان طفيفا، لدفعهم إلى النّجاح يؤدّي بشكل يكاد يكون حتميّا إلى انخفاض مستوى التّلاميذ وتقاربهم في مستويات دنيا، إذ المطلوب تمكين التلاميذ الضعفاء من بلوغ حدّ أدنى يُخوّل لهم الانتقال إلى الفصل الأعلى. حينئذ، يتعرّض القسم بأكمله إلى خطر الوقوع في "فخّ المُعدّل الوسط" Durchschnittsfalle الذي هو عنوان كتاب وضعه، سنة ،2012 عالم الوراثة النّمساوي: مركوس هنغشلاغر Markus Hengstschläger،وقد حُظي بنجاح في المكتبات.

هذا الرّأي يشاطره جيرالد ستاشل بقوله: "حقاً، يجب علينا تجنّب تدريس الفصل بأكمله". إنّ أنجب التّلاميذ يمكنهم، دون شكّ، رفع مستوى الآخرين إلى حدّ ما، لكن هذه الممارسة من شأنها أن تقلّل، أيضا، من حماس التّلاميذ الأكثر تميّزا. لذلك دعا إلى أطر تعليمية منفصلة، تضمّ مجموعات صغيرة من التّلاميذ من نفس مستوى الكفاءة. على ألاّ تَحُلّ هذه الأطُر محلّ الدّروس العادية التي تضمّ جميع التلاميذ بل يجب أن تضاف إليها. ويُبرّر موقفه بأن علوم الأعصاب التّربوية تدعم هذه المنهجيّة.

وتُبدي نيكول فيدال أسفها قائلة: "من الواضح أن النّظام المدرسي يحتاج إلى إصلاحات، لكن هذه الإصلاحات لم تعتمد، في السّنوات الأخيرة، على معطيات عقلانية" مضيفة أنه في غياب استراتيجية شاملة، يميل الجميع إلى "التّسوّق" من علوم الأعصاب التّربوية. "وهو أمر لا علاقة له بالتّمشّي العلمي". كما تحذّر من المصالح التّجارية التي غالبًا ما تدخل في الاعتبار.

وفي الواقع، حتّى إن كان معظم المُدرّسين يُبدون انفتاحا ما على البيانات الصّادرة عن علوم الأعصاب، فإنّه لا وجود لأيّ مدرسة نمساويّة أدمجت منهجيّ، إلى حدّ اليوم، مقاربة العلاج العصبي. 

فإذا لم تكن علوم الأعصاب التربوية، إذن، العلاج المعجزة الذي يأمله البعض، فذلك لا يمنع من كونها مورِدًا إضافيًا في خدمة المُدرّسين، كفيلا بمساعدتهم على التعرّف على الممارسات التي أثبتت جدواها، وهو ما يتطلّب أن تكون هيئة التّدريس مُواكِبة لنتائج علوم الأعصاب، وذلك ما هو غائب في أغلب الأحيان.

هل يجب أن نخشى علوم الأعصاب
UNESCO
janvier-mars 2022

 

 

0000380264